روسـيـا وأبرشـيات لبـنان وســائر المشــرق – سجعان القزي

بعد الجولة الرعوية التي قام بها مساعدُ وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف على الأبرشيات اللبنانية ودعوةِ عدد من القادة إلى زيارة موسكو، لا بد للولايات المتحدة الأميركية من أن ترسل عاجلاً زائراً رسولياً هاماً إلى لبنان لترسيم الحدود الروسية الأميركية. فزيارة بوغدانوف إلى لبنان هي طائرة بطيار تخرق الأجواء الأميركية والسعودية وحتى الإيرانية في لبنان، حاملةً رسالة مفادها أن روسيا شريك أساسي في الساحة اللبنانية علاوةً على الساحات الشرق أوسطية الأخرى، وأنها مصممة على أن تكون جزءًا من الحلول (شريك) وإلا تبقى جزءًا من المشاكل (غريم)؛ علماً أن مُجسَّمَ الحلول المطروحة دولياً للبنان والشرق الأوسط هي مشاريع مشاكل جديدة، وكأن هذه المنطقة هي "قطب النار" الدائم الاشتعال.

نحو سنةِ 1710 أوصى القيصر بطرس الأكبر بضرورة أن تبلغ روسيا المحيطَ الهندي ولو أدّى ذلك إلى تفكيك الإمبراطورية الفارسية، وأن تدخل البحرَ الأبيض المتوسط ولو أدى ذلك إلى حرب مع الإمبراطورية العثمانية. لكن روسيا اليوم بلغت المحيطَ الهندي والبحرَ الأبيض بتفاهم فارسي ورقابة عثمانية وارتياح إسرائيلي وتحفظ أميركي واهتمام عربي.




تطمح روسيا إلى شراكة تمتد من هندسة الكيانات الجديدة، إلى التنقيب عن الغاز والنفط، مروراً بمصير الحكومة اللبنانية والقضية الفلسطينية وحماية الأقليات المشرقية، ووصولاً إلى طبيعة تكوين القوات الإقليمية والدولية التي لا بد من أن تنتشر يوما ما لحفظ وقف إطلاق النار بين "المكونات السورية" وعلى حدود لبنان والأردن. وليس صدفة أن يصل الموفد الروسي إلى لبنان والمنطقة في عز فوران كل هذه الملفات وانتقال دول المنطقة من نظام الوحدة القسرية إلى أنظمة التقسيم المجهول الحدود. فالمطالبة بالحكم الذاتي لم تعد وقفاً على الأقليات، بل صارت تشمل الأكثريات حيث سُـنَّـةُ العراق يسيرون على خطى الأكراد.

وما يمـيّـز في لبنان الديبلوماسية الروسية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، أنها قادرة على التواصل مع كل الأطراف اللبنانيين، ومن خلالهم مع كل قوى المنطقة، بينما يقتصر التواصل الأميركي على أطراف محددين. ألم يُظهر أصدقاءُ أميركا اللبنانيون حماسة للقاء بوغدانوف أكثر من أصدقاء موسكو القدامى والجدد؟ إنها ظاهرة تنمّ عن خيبات دفينة من سياسة واشنطن التي تكتنفها الازدواجية حيال القضايا اللبنانية والشرق أوسطية، فيما الوضوح هو سمة المواقف الروسية ولو أننا نعارضها أحياناًً. ألم يكن لافتاً تصريح

بوغدانوف بعد لقائه الرئيس أمين الجميل بأن روسيا ستنظم لقاءات بين الحزب الحاكم في روسيا وحزب الكتائب اللبنانية؟ إنها سابقة مميزة.

لقد بدت زيارة الموفد الروسي علامة إيجابية فارقة بالنسبة إلى اللبنانيين مقارنة بالتحرك الأميركي: فالرئيس باراك أوباما ووزيرا الخارجية والدفاع الأميركيان جالوا على إسرائيل والأردن ومصر والعراق والسلطة الفلسطينية من دون أن يحطوا في بيروت. أما روسيا فتود أن يحضرَ لبنان مؤتمراً إقليمياً حول سوريا ليطرح معاناته من وجود نحو مليون نازح سوري على أراضيه.

لقد أتى بوغدانوف إلى لبنان حاملاً الكنيسةَ الروسية إلى المسيحيين (أنا هي الأم الحنون)، والملفَ النووي الإيراني إلى الشيعة (أنا حليف مرجعيتكم)، ومصيرَ النظام السوري إلى السُـنَّـة (ما لكُم ولتركيا)، وإرثَ الصداقة إلى الدروز (دعُوكم من الإنكليز)، والدورَ الروسي التاريخي في المنطقة إلى الدولة اللبنانية عموماً (موسكو تحفظ حيادكم من هيمنة أميركا).

لقد سبق لروسيا أن لعبت دوراً مفيداً في بعض المحطات التاريخية اللبنانية. فسنة 1773، إبّـان حكم الأمير يوسف الشهابي، نشبت حرب روسية عثمانية بلغت قذائفها بيروت، فتدخَّـل الأسطول الروسي مسانداً أهالي بيروت ضد والي عكا أحمد باشا الجزار، فانكفأ العثمانيون (مرحلياً) ودخلتها البحريةُ الروسية ولم تنسحب منها إلا بعد أن دَفع الأمير يوسف 300 ألف قرش لقائد الأسطول. وسنة 1943 كانت روسيا أولَ دولة تعترف باستقلال لبنان، ثم استعملت سنة 1946 حق الفيتو لأول مرة في الأمم المتحدة لمنع استمرار وجود القوات الفرنسية والإنكليزية في لبنان وسوريا. أما سنة 2008 فقدّمت موسكو للجيش اللبناني عشر طائرات "ميغ 29" لكن لبنان اعتذر عن قبولها (يفضل طائرات من دون طيار…)

إذا كانت هذه المواقف الروسية الإيجابية لا تنسينا سياسة الإتحاد السوفياتي السلبية جداً أثناء الأحداث اللبنانية (1969/ 1990)، فيمكن أن يشكل الدور الروسي اليوم ـ مع الدور الأوروبي ـ نقطة ارتكاز تستعين بها الدولة اللبنانية لخلق توازن يسمح بتعزيز مبدأ الحياد اللبناني، ولطمأنة الجماعات القلقة على وجودها تجاه تصاعد التطرف. وفي هذا الإطار تعتزم وزارة الخارجية الروسية تنظيم مؤتمر "حماية مسيحيي الشرق"، وتنتظر إزالة تحفظات بعض المؤسسات الإسلامية لتحديد موعده.

لكن أفضل خدمة تقدمها موسكو إلى لبنان هي أن تجعل دورها متكاملاً مع الدور الأميركي ليقنعا، كل من جهته، الأطراف اللبنانيين الذين يتأثروا بهما بوقف التورط العسكري في الحرب السورية والتزام مصلحة لبنان. وتزداد حاجة لبنان إلى مثل هذا التعاون الأميركي الروسي حين نكتشف عبر تقرير أوروبي رسمي أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أبلغ الرئيس السوري بشار الأسد في 27 تشرين الأول 2010 "أن لبنان يجب أن يكون تحت سيطرة إيران وجزءاً من أيّ حربٍ إقليميّة مقبلة مع إسرائيل".

إن روسيا، بحكم مزيج مجتمعها، تنظر إلى الأحداث العربية من زاوية الصراع الطائفي، فيما الولايات المتحدة الأميركية، بحكم ديمقراطية نظامها، تنظر إليها من زاوية ثورات شعبية، لكنهما ورغم اختلافهما على تشخيص الأحداث وعلى آلية الحل، فإنهما يلتقيان على نهائية الحل وهو تكوين شرق أوسط جديد مُطـرَّز بالطوائف والمذاهب.

من هنا تلاحظ الديبلوماسية الروسية انفتاحاً أميركياً للتعاون حيال قضايا الشرق الأوسط منذ تسلم جون كيري قيادة الديبلوماسية الأميركية. ويفترض أن يُترجم هذا التعاون بدعوة مشتركة إلى عقد مؤتمر جنيف 2 بشأن سوريا لتوضيح اتفاق جنيف الأول الذي وضع إطار التسوية من دون الآلية. بيد أن الطرفين لم يتفقا بعد على موعده: أَقَـبْل قمة أوباما ـ بوتين في حزيران المقبل أم بعدها؟ أَقَـبْل استرجاع النظام مدينة حلب أم بعد بدء معركة العاصمة دمشق؟ (الأرضُ أصدقُ إنباءً من المؤتمر)

وقد تكون اتهامات واشنطن وبريطانيا وإسرائيل للنظام السوري باستعمال مواد كيمائية في بعض المعارك تهويلاً لدفع النظام السوري إلى قبول تقديم تنازلات على صعيد تغيير السلطة أثناء مؤتمر جنيف 2 العتيد أكثر مما هي تمهيد لتدخل عسكري في سوريا، وهو تدخل تردعه روسيا، الرابضة في مرفأ طرطوس.

إن قاعدة طرطوس السورية، هي الوحيدة الباقية خارج الحدود الروسية، وهي توفّر لروسيا الجديدة موقعاً استراتيجياً قريباً من إسرائيل الحليفِ الأميركي العسكري الأقوى في المنطقة، ومن تركيا العضو الآسيوي الإسلامي الوحيد في حلف شمالي الأطلسي. وتزداد أهمية هذه القاعدة لروسيا مع نشر الدرع الصاروخي الأطلسي (باتريوت) على الأراضي التركية والأردنية. وفي نفس المنطق، إن مرفأ طرطوس يبعد نحو 60 كيلومتراً من مدينة طرابلس حيث تتواجد تنظيمات متطرفة تتواصل مع تيارات جهادية في الشيشان، ونحو 150 كيلومتراً من القواعد العسكرية الإيرانية التي يتولاها حزب الله في جنوب لبنان وشرقه.

صحيح أن بوغدانوف جاء لبنان ليبعث برسالة إلى أميركا، لكنها رسالة إيجابية عنوانها: تعالوا نوقف النار في لبنان والشرق الأوسط. لكن من أنى للنار أن تتوقف؟ الروس عادوا متأخرين إلى لبنان والأميركيون انسحبوا باكراً من الشرق الأوسط. أما اللبنانيون فلا يدرون بعد الوقتَ المناسب لإنقاذ لبنان.