النازحون السوريون في لبنان.. أزمة تتفاقم

خاص – بيروت اوبزرفر

تحقيق : راوية قاسم – طالبة كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية الدولية




المقولة الشهيرة "شعب واحد في بلدين لم تشفع لهم أو تحل مشاكلهم، نزحوا إلى لبنان فاختاروا ملاذاً آمناً لهم، بعيداً عن هول المعارك التي اختارت بيوتهم وأزقتهم ميداناً لها، البلد الثاني الذي تسللوا إليه عبر الحدود الشرعية والغير شرعية نأت حكومته بنفسها عن التدخل في شؤون سورية، فبدت مستقيلة من واجباتها، فلا هي قادرة على تنظيم عبور آمن لهم، لا تستقبلهم، ولا تحصي أعدادهم، ولا تعرف إقامة تواجدهم على أراضيها لا تقدم لهم الإيواء والإغاثة الضرورية التي يتطلبها أي نازح، والأغرب من ذلك ترتفع أصوات السياسيين اللبنانين الغير راغبين بوصول نازحين إلى لبنان، فهذه القوى التي تحاول الضغط على الدولة لتسليم الناشطين والمعارضين السوريين إلى النظام السوري الذي يتنافى ذلك مع المواثيق والمعاهدات الدولية، مما يضع الحكومة بموقف صعب وحرج أمام المجتمع الدولي. لذا فإن عدم فتح مراكز إيواء رسمية للنازحين يعقد المسألة أكثر مما أبعد الهيئة العليا للإغاثة عن القيام بواجبها الإنساني مما دفع رئيسها اللواء يحي رعد بالإستقالة، وخاصة بأن رعد وعد النازحين بتوفير المساعدات الإنسانية التي لم يستطع توفيرها مع إشتداد البرد، كالتدفئة والأغطية والملابس

الجغرافيا الطائفية والنازحين:

يتوافد النازحون السوريون إلى قرى وادي خالد في الشمال وقرى البقاع الشمالي وخاصة عرسال، إضافة إلى مناطق بيروت وخاصة ضاحيتها الجنوبية وصولاً إلى جنوب لبنان. وقد شارف عددهم النازحون السوريون، الذين انتشروا في معظم مناطق لبنان، على ما يفوق مليون نازح، ووفقا للتقرير الأسبوعي الأخير الذي تصدره دورياً مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن العدد المسجل للنازحين حوالي 250 ألف نازح يتلقون الحماية والمساعدة من شركاء الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة والمنظمات الخارجية لكن العدد المسجل هو يتضاعف إلى أكثر من الثلث لأن الألف من هؤلاء لم يتمكنوا من تسجيل أنفسهم لدى المفوضية وأن أكثر من العدد هو متواجد على الأراضي اللبنانية وخاصة في المناطق الحدودية

إذ لا حماية ولا عناية للنازحين السوريين في لبنان كما تتطلب المعاهدات الدولية التي تفرضها قوانين الجيرة لدولة عربية مجاورة، كان يتغني سياسيوها طوال الفترة السابقة بمقولة شعب واحد في دولتين. هم مقيمون بالدرجة الأولى في منطقة وادي خالد على مقربة من الحدود السورية في الشمال. لكن الواقع يتضح لنا أثناء جولتنا الميدانية عن الواقع المأساوي الذي تعيشه العائلات السورية في لبنان، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية التي تركت العبء الكبير على كاهل أهلي المنطقة، فالقرى اللبنانية الشمالية هي قرى كانت قبل أحداث سورية تعتمد بشكل كبير على الأسواق السورية لتأمين الكثير من المواد الأساسية الحياتية، ولكن اليوم بعد الثورة السورية، ومع توافد النازحين السوريين وغياب دور الدولة عن واجباتها الإنسانية نحوهم، وبالرغم من عدم تأثيرها سابقا على تحسين حياتهم وخدامتهم، إضافة إلى الخرق السوري اليومي للمنطقة من قصف وخطف الخ… فالأزمة تتفاقم وتترك الرعب والخوف في نفوس الأهالي المنتشرين على خط الحدود وتتعرض لهم إقتصادياً وأمنياً ومعيشياً. ومن هذا المنطق دخل الرئيس السابق سعد الحريري على خط أزمة العائلات السورية النازحة التي تتواجد في مناطق نفوذه، محاولاً مع أعضاء تياره وحلفائه السياسيين في فريق 14 آذار المؤيد لثورة الشعب السوري، تخفيف معاناة السكان الشماليين في الدولتين، وفي هذا السياق كان هذا الفريق يتهم حكومة الرئيس نجيب مقاتي المستقيلة بالتقاعس غير المبرر عن لعب دورها، ووصف ممارستها بالعنصرية، إضافة إلى سكوتها عن تجاوزات الجيش السوري على الحدود مع بعض الأطراف اللبنانية

الجمعيات الأهلية تحل مكان الدولة :

مع توافد الأعداد الكبيرة من النازحين السوريين تقوم الجمعيات الخيرية في المنطقة، بلعب دور قدر المستطاع في تقديم العون إلى هؤلاء النازحين وإرسال بعض المعونات وتقديم المواد الأولية إليهم، لكن ذلك يبقى بسيطاً نظراً لقلتها ولكثرة النازحين، ففي هذه المنطقة المنكوبة وضعت الخيام المتواضعة في العراء والتي يغيب عنها الرجال في الأغلب، بسب الإعتقال أو الإستشهاد الذي طال الكثيرين من أبناء سورية

من إحدى الخيم تطلع علينا سيدة أرملة تعيش مع بناتها وزوجة ابنها وطفلتها الصغيرة وتقول: "الموت في سوريا خطف كل رجالها وبقيت هي أم لهذه العائلة التي أضحى عدد أفرادها كلهم من النساء". هذه العائلة التي هربت من القتل من مدينة حمص، لكن العجوز التي تناهز الستين من عمرها لم تستسلم لفاجعتها الكبيرة ورفضت انتظار ما يمكن أن يأتيهن من مساعدات ، وبدأت تعمل مع بناتها بالزراعة في السهل لتأمين اقل ما تحتاجه من لقمة عيش لتبقيهن أحياء وبصوتها الحزين والدمع يذرف من عينيها، تصر على أن أجسادهن هنا، ولكن امتدادهن وروحهن في المقلب الثاني، أي سورية

أما هدى الشاعر إحدى بناتها تقول: "كل الخيم متشابهة هنا من حيث الشكل واللون، ولكن المعاناة واحدة، فاختصرت حديثها كله بجملة واحدة: حسبي الله ونعم الوكيل

لكن احمد المنصور، وهو نازح سوري يعيش في هذا المخيم، أب لعائلة مؤلفة من خمسة أولاد هرب جميع أفرادها من ضواحي حمص بعد التهجير القسري، يعيش اليوم في الخيمة مع عائلته وأهل زوجته وابنه البكر الذي تخرج من جامعة حمص للعلوم، فالشاب لم يفرح بتخرجه وبنيل شهادته ليعمل بها بل أضحى نازحاً ينتظر ما تيسر للجمعيات من تقديم له ولأهله المعونة اليومية

أما في البقاع وبعدما انتقلنا من الشمال إلى مناطق البقاع، لم يكن الوضع أفضل في تجمع آخر للنازحين الذين يتوزعون على قرى البقاع الشمالي والأوسط وتحديداً في عرسال، بر الياس، مجدل، عنجر، المرج، وسعد نايل الخ"، ويسكن عدد كبير منهم عند أقاربهم ومعارفهم، ولكن قسماً كبيراً منهم يقيم في منازل مستأجرة تراوح أسعارها بعد الثورة السورية من 400$ إلى 1500$ أثناء تنقلنا في البلدات بات واضحاً وجود هؤلاء النازحين وتواجدهم الكثيف من خلال رفع أعلام "الثورة" السورية، في شوارعها أو بيعها في بعض محلاتها التجارية، فالجامع المشترك لهؤلاء النازحين هي المعاناة المتشابة لجهة السكن والعمل والمآسي التي واجهتهم في سوريا

أما أم حسين الشمالي القادمة من مدينة الزبداني تقول :"لقد نزحت مع أبنائي وأحفادي بعد تعرضنا لحصار خانق وقصف مرعب من قبل الجيش السوري منذ عدة شهور، والقصف لم يكن يميز بين منطقة وأخرى وتشير بأن الجيش قصف إحدى القرى القريبة منهم بالرغم من أن سكانها من الطائفة العلوية. في البداية هربنا الى دمشق ولكن فيما بعد قررنا الهجرة إلى لبنان بسبب صعوبة الوضع .دخلنا الحدود من المعبر الرسمي "المصنع" بالرغم من وصولنا إلى لبنان تبقى الدولة المستضيفة لنا بعيدة جدا عن همومنا ومشاكلنا. ونعاني من مشكلة البيوت التي ترتفع أسعارها بدرجة عالية وليس لنا القدرة على الدفع بسبب عدم العمل لأبنائنا وقلة المساعدات التي لا تصل ، ونحن نأكل اليوم من أموالنا التي جلبنها معنا وغدا الله يعلم كيف سندبر أمرنا

الجميع يشتكي من غياب الخدمات حتى الصحية المخصصة لمتابعة أوضاعهم يقع في بلدة" سعد نايل" التي تبعد عن باقي القرى التي ينتشر فيها النازحين، والتي يجهلون موقعها في الوقت الذي يوجد مستوصفاً في كل قرية قريب منهم ولكن لا يتم إستقبالهم

أما أبو علي، النازح من قرية القصير الحدودية والذي لم يفصح عن إسمه بسب وضعه الحرج ولكونه مطلوب للسلطة السورية بالرغم من عدم إنتمائه للجيش الحر، لكن السبب الأساسي لكونه كان ناشطاً سياسياً، ويتولى مجموعة من الناشطين لحماية المظاهرات من رصاص "الشبيحة" التي تطلق الرصاص على المتظاهرين أثناء خروجهم في مظاهرات تطالب بإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، يقول: "أنا موجود من تاريخ 9 شباط هذا العام، ودخلت لبنان من إحدى المعابر الرسمية لكن الزحمة حالت دون التدقيق بأوراقي الثبوتية من قبل رجال الحدود

بعد الوصول إلى حي السلم والذي يعتبر حياً شعبياً من ضواحي بيروت الجنوبية، هذا الحي المحروم، لجأ إليه عددا من النازحين السوريين للسكن فيه، لان أجرة المنازل فيه تعتبر رخيصة جدا مقارنة بالمناطق الأخرى ،ولان الإحياء التي يسكن فيها السوريين كانت قبل اندلاع الثورة السورية ،والوافدين مازالوا يأتون إليه، إذ يفتحون محلاتهم التجارية ويبسطون عرباتهم في السوق لطلب الرزق بالرغم من بعض الإشكاليات التي تحدث من حين لآخر

كل صباح يضج السوق "سوق الخضار في حي السلم" بالنازحين السوريين وهم يصرخون بأعلى أصواتهم للبيع ما أتيح لهم من شرائه وعرضه، كل زاوية من حي السلم تعج بالعربات الصغيرة المحملة خضراوات وفواكه، بالإضافة إلى آخرين يمارسون مهن مختلفة كمسح الأحذية والعتلة الخ

اللافت في الحي، هو تمركز النازحين السوريين في" الزواريب" العتيقة بالرغم من أنهم يختلفون فيما بينهم بالسياسة، لكن ما يوحدهم هي الهوية السورية، لا فرق بين من مع النظام أو الذين ضده يتصافحون مع بعضهم البعض، علهم لا يشعرون بالغربة القسرية التي فرضتها الأزمة الحالية في سورية

أما وزير الشؤون الإجتماعية في حكومة تصريف الأعمال وائل أبو فاعور، زار مناطق النازحين وقال بأن الحكومة اللبنانية تلتزم بإغاثة النازحين وحمايتهم، وعدم إغلاق الحدود أمامهم، وعدم تسليم أي شخص منهم لأية جهة، وعدم ترحيل أي نازح. ولن يطالب لبنان بترحيل النازحين إلى دول عربية وإذا قررت بعض الدول تقاسم الأعباء، فالسوريين لهم الحق وحدهم التقرير إذا كانوا يريدون الإنتقال إلى دول عربية أخرى

لكن الرئيس سليمان الذي أكد في خطابه في القمة العربية الأخيرة في قطر على ضرورة عقد مؤتمر دولي بخصوص مساعدة النازحين السوريين ولبنان ملتزم بمساعدتهم

وفي ظل المد والجزر بين الحكومة اللبنانية التي طلبت معونات مالية، وحكومات عربية ترفض أن تسلم مساعدات لحكومة تنأى بنفسها عن الأزمة السورية، وبالرغم من السجال الداخلي بين الأقطاب المعارضة لوجود النازحين والمرحبة بهم، يبقى وضع النازح السوري مفتوحاً على أبواب المعاناة والمأساة وبرد الشتاء وحر الصيف وضيق الحياة دون دفئ سياسي وأهتمام أخوي