استقال من «أهل الشيعة» وعاد إلى «أهل السُنة» – سجعان القزي – الجمهورية


في الظروف العادية، لا تَسقط حكوماتُ لبنان لأسباب داخلية فقط، فكيف الحالُ اليوم، والثوراتُ حولنا ولُعبةُ الأمم في دارنا؟ بمنأى عن الأسباب العلنية، سقطت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي نتيجة تقاطع مصالح أطراف متخاصمين أكثر من تلاقي مصالح متحالفين. والأطراف المعنيون هنا هم لبنانيون وعرب ودوليون. إنه انقلابٌ أبيض من دون قمصان سوداء أتاح للرئيس ميقاتي الاستقالة من «أهل الشيعة» والعودة إلى «أهل السنة». متى نصبح كلنا أهلَ لبنان فقط لا غير.
لأسبابٍ وأهداف مختلِفة، كان لافتاً توافقُ مصالح قوى 8 و 14 آذار، وبالتالي مصالح المحورين الأميركي ـ السعودي والسوري ـ الإيراني على عدم جدوى بقاء الحكومة الحالية. محور 14 آذار بشقيه الداخلي والخارجي يريد تغيير ميزان القوى السائد في لبنان منذ اتفاق الدوحة 2008، وبخاصة بعد إسقاط حكومة سعد الحريري سنة 2011. ومحور 8 آذار بشقيه الداخلي والخارجي أراد استباقَ التغيير بإحداث فراغٍ إضافي في كيان الدولة. لقد فضّل "حزب الله" تقديمَ رأس الحكومة علّـه يُنقذ رأسه.

حتى الأشهر الماضية كان الطرفان يعوِّلان على تغيير موازين القوى من خلال الانتخابات النيابية المقبلة بقانون انتخابي على قياس كل منهما. ولما تبـيّـن أن لا قانونَ جديداً للانتخابات ولا انتخاباتٍ، عمدوا على إحداث التغيير من خلال إسقاط الحكومة. من هنا يجوز الاستنتاج أن الرئيس ميقاتي أُسقِط ولم يَستقِل، مثله مثل الرئيس الحريري منذ سنتين ونصف. لكن الفارق أنه أتيح للرئيس ميقاتي إعلان استقالته على أمل العودة، بينما الحكومة السابقة أُسقطت قبل أن يستقيلَ رئيسُها.




وأسطع دليل على تلاقي مختلف هذه المصالح هو أن الذريعتين اللتين أوْدتا بحياةِ الحكومة ليستا كافيتين، على أهميتهما، لتبررا وحدهما قرارَ الاستقالة. لو كان المحور السوري الإيراني يعتبر بعد أن هذه الحكومة لا تزال أولوية له، لكان سهّل مشروعي التمديد لّلواء أشرف ريفي وإنشاء هيئة الإشراف على الانتخابات، خصوصاً وأنه تقـبّـل سابقاً، حرصاً على الحكومة، قرارات أكثر خطورة عليه كتمويل المحكمة الدولية.

ولو كان المحور الآخر، وهو متعددُ الأطراف، يتحمّل بعد بقاءَ هذه الحكومة لما كان أصرّ على إقرار المشروعين إذ سبق له أن اتّبع طوالَ السنتين الماضيتين سياسةَ النعامة حيال قراراتٍ ومواقفَ مسيئةٍ للبنان. فأي قضية تستحق الاستقالة أكثر من الأخرى: أاغتيال اللواء وسام الحسن أم عدم التمديد لّلواء أشرف ريفي (وأنا مع التمديد له)؟ أإنشاء هيئة الإشراف على الانتخابات (وأنا أؤيد إنشاءها ) أم وضع قانون انتخابات جِدّيٍ وإجراء الانتخابات؟

واضحٌ أن قرار إسقاط الحكومة متّـخذ قبل الخلاف على موضوعي اللواء ريفي وهيئة الإشراف على الانتخابات، وإلا لما حصل خلافٌ بشأنهما. كما أن قرارَ إرجاءِ الانتخابات النيابية متَّـخذ قبل الخلاف على قانون جديد للانتخابات، وإلا لما حصل خلافٌ بشأنه.

أخطر ما يقلقني اليوم هو إدخال لبنان في منظومة التغيير العربي، فيقع لبنان في ما تجاوزه بعد ثلاثين سنة من الحروب والاحتلالات، أي الفتنة والتقسيم والتوطين والمسّ بحدوده الدولية.

ليس من قبيل الصُدف أن تستقيل الحكومة أثناء وجود الرئيس باراك أوباما في القدس حيث صالحَ إسرائيل وتركيا عوض إسرائيل والفلسطينيين، وحيث صرّح أن الوقت حان لتثبيت إعلان حزب الله منظمة إرهابية بعد اتهامه بارتكاب عمليات إرهابية في دول عربية وغربية مختلفة.

وليس من قبيل الصُدف أن تستقيل الحكومة بينما تتسارع الأحداث في سوريا: تقدّمٌ جغرافي للمقاتلين ضد النظام، صدورُ قرارٍ عربي أكثريٍ وأوروبي نسبي بتسليح قوى المعارضة، إعلانُ حكومة مؤقتة رافقته استقالات معارضين، تجييرُ مقعد الدولة السورية في الجامعة العربية من النظام إلى ثورةٍ متعددة الرؤوس ومجهولةِ الأهداف، وتحريك خجول لجبهةِ الجولان.

وليس من قبيل الصدف أن تستقيل الحكومة فيما يتحوّل النازحون السوريون لاجئين ومسلحين في لبنان ويُسقطون حرمةَ الحدود اللبنانية السورية وشرعيتها.

وليس من قبيل الصدف أن تستقيل الحكومة والبلاد تنتقل من وتيرة التفجيرات الأمنية المحدودة إلى مستوى الانفجار على خلفيةٍ مذهبية يتداخل فيها أطراف عرب وإقليميون ودوليون.

إذا كان رئيس الحكومة قدم استقالته مع إدراكه كل هذه المعطيات، فقد تكون بادرته "مبادرة" لاستعادة القرار الوطني وخلق ديناميكية حوار وسلام بين مختلف المكونات السياسية بمنأى عن الاصطفاف السياسي الحالي الذي انكشف عقمُه في الأشهر الأخيرة. أما إذا كانت الاستقالةُ هروباً من المسؤولية، وهذه الحكومة مسؤولة عن الواقع المتدهور، فالبلاد تتجه نحو سقوطِ الدولة لا نحو الفراغ الدستوري فقط.

نرى دولةً يتآكلها الفساد عمودياً وأفقياً، مؤسساتٍ أمنيةً أضعف من قوى الأمر الواقع، وزاراتٍ تحولت إماراتٍ بالوكالة، إدارةً أشبه بمتحف عثماني، حكومةً مستقيلة، مجلسَ نواب على مشارف نهاية ولايته ولا انتخاباتٍ جديدة. ونرى عهداً رئاسيّـاً يدخل سنته الأخيرة وسط تساؤلات حول مصير الرئاسة لا الرئيس فقط، لاسيما وأن الظروف التي أحاطت بنهاية عهد الرئيس إميل لحود وانتخاب الرئيس سليمان كانت بمثابة إنذار مبكرٍ بوجود خطر على هذا الموقع بعدما انتزعت منه الصلاحيات الأساسية لأي رئيس في أي جمهورية.

لذلك لا بد من لقاء وطني حقيقي حول رئيس البلاد. لقاءُ وقفةِ ضمير أمام التاريخ والأجيال يصدر عنه "إعلان بعبدا 2". الإعلان الأول تركز على تحييد لبنان عبر الابتعاد عن المحاور، الإعلان الثاني يجب أن يتمحور حول إنقاذ لبنان من خلال إصلاحات بنيوية تواكب عمل الحكومة الجديدة. وفي هذا الإطار نشير إلى ثلاث نقاط:

الأولى: عدم ربط تأليف الحكومة بمصير أعمال هيئة الحوار الوطني، وإلا يصبح الحوار ورقة يستغلها البعض لتعطيل ولادة حكومة مع ما يستتبع ذلك من انعكاسات.

الثانية: ضرورة أن ينطلق أي مشروع إصلاحي من الميثاق الوطني واتفاق الطائف لئلا تتحول المطالبة بالإصلاح إلى ثورة على غرار ما حصل في دول عربية.

الثالثة: وجوب مواصلة العمل على وضع قانون انتخابي جديد، فعدم دعوة الهيئة العامة لمجلس النواب إلى التصويت على قانونٍ ما، هو بمثابة استقالة للمجلس تُشبه استقالة الحكومة.

في مثل هذه المنعطفات التاريخية يُعرف مدى تصميم الشعب اللبناني على العيش معاً. وقد يكون هذا الامتحان الجديد حاسماً بالنسبة لمصير وحدة لبنان. لذا لا نُحمِِّلنَّ عملية تأليف حكومة جديدة كل مطالبنا المزمنة. فلا يحمّل الشيعةُ الحكومةَ الجديدة مسؤولية الثأر من معاوية، ولا يحمّلها السُـنَّـةُ مسؤولية الثأر من الخميني، ولا يحمّلها الدروزُ مسؤولية الثأر من الأمير بشير الشهابي الثاني، ولا يحمّلها المسيحيون مسؤولية الثأر من يهودِ صلبوا المسيح. إن إعلانَ الاستقالـةِ هي مسودّةُ البيان الوزاري المقبل.

نريد حكومة تنقلنا من منطق الثأر إلى منطق العدالة، ومن منطق الفتنة إلى منطق المحبة، ومن منطق الحصص إلى منطق الشراكة، ومن منطق الدويلات إلى منطق الدولة، ومن منطق الانحياز إلى الحياد. بتعبير آخر، يفترض أن تكون الحكومة الجديدة حكومة تأسيسية لتحالفات جديدة ولنهج وطني وميثاقي جديد في جمهوريةٍ مؤسَّسةٍ، لا مجال لإعادة النظر بنهائية كيانها