زوجة واحدة ليست من مطالب الثورة! – آمال موسى – الشرق الاوسط

عندما يدخل الإسلام السياسي في تونس إلى الحياة السياسية؛ سواء كحزب من ضمن الأحزاب الناشطة، أو كحزب وصل إلى الحكم، فإن أول ملف يُفتح بطريقة صريحة أو مواربة هو ملف تعدد الزوجات. لذلك فإن العلاقة الآلية بين الإسلام السياسي ومسألة تعدد الزوجات تكاد تكون الفكرة الأكثر هيمنة على تمثلات مجتمعاتنا العربية والإسلامية للإسلام السياسي.

ولا نعتقد أننا نبالغ إذا قلنا إن هذه المسألة هي التي ستقود هذه الأحزاب، ناشطة كانت أو حاكمة، إلى رحيلها النهائي في هذه المرة، باعتبار أن كل ما كان ممنوعا عليها في مرحلة ما قبل الثورة قد أصبح بفضل الثورة متاحا لها، أي أنها اليوم في الضوء الكامل الكاشف سريعا.




وبالعودة إلى مسألة ارتباط ظهور الإسلام السياسي بإحياء ملف تعدد الزوجات، فإن مجرد طرحها في بعض الأوساط اليوم في تونس يُعد تأكيدا واضحا للعلاقة المشار إليها، حيث إن حظوظ طرح هذا الملف، حتى ولو في نطاق ضيق، هي على الأقل نظريا شبه معدومة، وذلك لعدة أسباب.

أول هذه الأسباب هو أن الثورة في تونس قامت من أجل مطالب اجتماعية واقتصادية صرفة. قامت من أجل التنمية والتشغيل، أي أنها قامت بدافع غريزة الجوع.

بل إنه لم توجد ثورة في التاريخ البشري قامت من أجل تعدد الزوجات، أو طالبت بأكثر من زوجة، أو عبّرت عن الحاجة إلى أكثر من زوجة. وبالتالي، فإن إثارة موضوع تعدد الزوجات في سياق ما بعد الثورة، فيه مغالطة واعتداء على المضمون القيمي للثورة، وخصوصا لاستحقاقاتها.

ولمزيد تدليل لهذه الفكرة، فإننا نطرح هذا التساؤل: كيف لشباب أصبح عازفا عن الزواج بسبب البطالة وضيق ذات اليد وارتفاع الأسعار وصعوبة تحمل المسؤولية وإقامة أسرة بطفل واحد، كيف لهذا الشباب الذي تبلغ نسبة غير المتزوجين منه (من 15 إلى 29 سنة) 81 في المائة، والمتزوجين منه (ما فوق 34 سنة) 64 في المائة، أن يكون موضوع تعدد الزوجات من اهتماماته أو قضية أخيرة من قضاياه؟!

إلى جانب هذا السبب الاقتصادي القوي، فإن هناك حقيقة ثقافية حضارية لا يمكن التشكيك فيها، وهي أن مسألة المرأة في تونس قد تم الحسم فيها تاريخيا، وفي مرحلة بناء الدولة الوطنية. وعلى الرغم من أنه في تاريخ تونس لم تكن مسألة تعدد الزوجات ظاهرة مجتمعية، فإن الفكر الإصلاحي قد اهتم بها، وصولا إلى الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، الذي أغلق الملف نهائيا، واعتبر معالجته النهائية أول مفاتيح المشروع التحديثي وخطواته.

ولم يحسم بورقيبة أمر هذا الملف قانونيا فقط من خلال منع تعدد الزوجات، بل توخى أسلوب الحسم الثقافي الفكري بإعادة بناء العقلية. ولعل مظاهرة النساء التونسيات الأخيرة في شارع الحبيب بورقيبة كانت مليئة بالمعاني والدلالات، إذ لم تكن مسيرة حكرا على النساء، بل كانت مزيجا من رجال ونساء على منوال مزيج الطبيعة الخلاق!

وأول استنتاج يمكن الوثوق به في هذا السياق أن مسألة المرأة هي شأن رجالي ونسائي في تونس، أي شأن مجتمعي، وهي ظاهرة تميز تونس وتعبر عن ثمرة ثمينة وناضجة لمسار التحديث فيها.

لذلك، فإن هذه النقاشات المسقطة التي يثيرها عنوة البعض إنما تندرج ضمن التشويش الممنهج، بهدف تحويل وجهة الاهتمام من البطالة وغلاء المعيشة وغيرهما إلى مهاترات، والأسوأ في الأمر أن الإعلام التونسي يسقط في الفخ ويفسح لهم مساحات شاسعة. ولحسن الحظ، أظهرت هذه المهاترات، أو التشويش، صلابة بيئة ثقافية تونسية نجحت عبر تاريخها في استئصال ورم استنقاص المرأة، وذلك قبل أن يشتد عود الحركة النسائية في تونس.