الثورة السورية: نفق الحرية المؤلم! – فادي شامية


ذواتهم، وولدوا أنفسهم من جديد. البيوت؛ أثخنت الجراح عُمّارَها، قبل عمرانها، وبينها سالت أحقاد ظلت مكبوتة لسنين، والفوضى عارمة، من المعابر التي خسرها "النظام"، إلى الأرياف التي سيطر عليها الثوار، وصولاً إلى المدن التي زرع القتال فيها مصائد للموت.




منذ أن قرر الثوار "فتح" حلب؛ انعدمت قدرة جيش النظام على استعادة ما يخسره. في كل يوم يمر يزداد الجيش المقابل له عدداً وعدة ومعنويات، وهو يخسر من عديده؛ موتاً وجرحى وتسرباً وانشقاقاً ورفضاً للجندية… ومن معنوياته رغم تخمة السلاح الذي يملكه والذي يصله. لا يعبّر جيش الأسد اليوم إلا عن حالٍ كانت نفسها أحد أسباب الثورة؛ 90% من ضباط الجيش السوري من طائفة واحدة، وقد باتت الطائفة العلوية، قليلة العدد، تئن من حِمل بشار الذي ما فتئ يخوّفها من عواقب سقوطه.

في المقابل يبدو "الجيش الحر" اسماً أكبر من مضمونه؛ ثلاثمئة ألف هم أكثر من جيش النظام لكن ينقصهم السلاح، والخبرة القتالية، ووحدة القيادة والعقيدة والرؤية… ويجمعهم قتال بشار الأسد حتى الرمق الأخير. بين هؤلاء كما بين الشعب السوري كله – تتزايد الروح الدينية الوسطية، والمتطرفة في آن. قسوة الموت مرّت على الأفكار والمعتقدات أيضاً.

لا انسجام بين الناس في الداخل وبين ممثليهم في الخارج. سوء الظن شمل هؤلاء، كما شمل كثيراً ممن تصدوا لتمثيل الناس ومساعدتهم في الداخل أيضاً. العذابات جعلتهم يرون الصلاح فيمن يدفع عنهم الأذى أو يقدّم العون مباشرة. لا يرون بوضوح أي شيء غير مباشر في بلد تسوده اليوم ظروف إنسانية أكثر من صعبة، وانفلات أمني واجتماعي وأخلاقي ونفسي شديد.

لا اقتصاد بقي في سوريا، ولا مطارات ولا طرقات آمنة. معامل حلب انتقلت إلى أماكن أكثر أمناً أو بيعت آلاتٍ أو حديداً. البنى التحتية مدمرة. أماكن التربية والتعليم صارت ثكنات. الإدارات المدنية أجسام عسكرية، ولقمة العيش صارت جزءاً من الصراع مع الموت، والجميع نازح في وطنه، وبشار مسؤول عن هذا كله؛ هو من سلّ سيوف الناس دفاعاً عن بقائهم وأعراضهم وأموالهم بعد شهور من السلمية الدامي، وهو من زيّن البلاد لكل راغب بالجنة، بعد سماع ومشاهدة تأليهه وأخيه الشقي، وهو الذي ما زال يكابر القدر غير آبه إن قدّم سوريا كلها ثمناً لدفعه عنه!

العاصمة دمشق تدرك أن ما أصاب حلب وما حل بحمص ينتظرها أيضاً، وعينات منه تحدث في أطرافها كل يوم. السير نحوها بطيء لكنه متواصل، ووتيرته مرهونة بسلاح ينتظره من لا ينقصه إقدام ولا أقدام. من ينقذ الناس والمدن والأرياف من مصيرها، في صراع هو أكبر من ثورة، وأشد من إسقاط نظام؟ لا جواب غير قولهم: "يا الله ما إلنا غيرك يا الله".