رحلت بجرعة زائدة! – نبيل بومنصف – النهار


يمرّ لبنان بمنعطف دقيق بعد استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ويذكّرنا ذلك بأزمة حكم حصلت في عام 1969 إثر اعتكاف الرئيس الراحل رشيد كرامي. وقد تعوّد لبنان على إنتاج أزمات مماثلة في سياق تاريخه السياسي المضطرب.

إنّ هذا البلد الصغير بمساحته وعدد سكّانه ، والكبير بدوره والرهانات حوله، غدا ضحية بامتياز لمحيطه الجيوالسياسي وانهياراته أو وتفاهماته. وما يزيد من عدم استقراره الفشل في بناء نظام سياسيّ محصّن أمام الانقسامات الداخلية الحادّة أو الأعاصير الخارجية الزاحفة.




منذ نشأة الكيان اللبناني يسود الانطباع أنّ لبنان غير قابل للحكم أو الحوكمة، وهو لا يحكم ويستقرّ إلّا نادراً كما في أيام الإمارة المعنية أو بدايات الشهابية المعاصرة. واليوم مع احتدام المأساة السورية على الأبواب يهتزّ لبنان من جديد وتسقط سياسة النأي بالنفس على محكّ الواقع . ومع تزايد قلقه من تطوّر الوضع السوري يسعى حزب الله إلى المزيد من السيطرة في لبنان. وهذا ما يفسّر تضحيته بالحكومة، وبرز ذلك في رفضه التمديد للّواء أشرف ريفي، والمستهدف بالطبع هو فرع المعلومات غير الممسوك والذي لم تغفر له إنجازاته العديدة.

بغضّ النظر عن الأسباب الأخرى لاستقالة الحكومة، ربّما يكون بينها رفع الغطاء الدولي عن حكومة الرئيس ميقاتي، ويتّضح أنّ منطق الغلبة الذي يمارسه حزب الله هو السبب المباشر لأنّه لا يتلاءم مع التركيبة القائمة على التسوية المتجدّدة بين المكوّنات السياسية. لقد سبق لأفرقاء لبنانيّين أن وقعوا في نفس الخطأ ـ الخطيئة في فترات سابقة، ولم يكن لغالبيتهم الشجاعة في ممارسة نقد ذاتيّ لأدوارهم وإسهامهم في تجارب مريرة وحروب مدمّرة ومغامرات عبثية.

إنّ المناخ السياسي المتوتّر وطرح الشروط والشروط المضادة، لن يسهّلا الخروج من المأزق الذي سيتفاقم مع التداعيات المحتملة على الاقتصاد والحالة الاجتماعية. وعلى أبواب ذكرى 13 نيسان الأليمة، يجدر بالجميع، مسؤولين ومواطنين، وقفة مع الذات كي لا تكون ذاكرتنا قصيرة وكي لا تعود الكلمة للشارع وكي لا تتحوّل البلاد إلى مسرح تجاذب إقليمي في هذا الظرف الحسّاس.

ويتوقّع متابعو الشأن اللبناني في دوائر القرار الدولي أزمة طويلة واستعصاءً سياسيّاً وفراغاً أمنيّاً ودستوريّاً، وسيكون الوضع اللبناني محوراً أساسيّاً على جدول أعمال لقاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الفرنسي لوران فابيوس يوم الأربعاء المقبل في باريس. ومن الواضح أنّ واشنطن وباريس قرّرتا التنسيق عن قرب لضمان إبقاء لبنان خارج الحريق الإقليمي، وستتابعان الوضع عن كثب.

بيدَ أنّ المسؤولية الأولى تقع على عاتق القادة اللبنانيين في بلورة خارطة طريق لا بدّ منها للخروج من الأزمة، وتتجسّد في أفكار للنقاش، منها:

ـ العودة إلى طاولة الحوار في قصر بعبدا تحت رعاية رئيس الجمهورية، مع التسليم بأنّه من دون دور وازن لرئيس الجمهورية لن تسلم التوازنات اللبنانية، علماً أنّ لبنان هو البلد العربي الوحيد الذي يتبوّأ فيه مسيحيّ مقام الرئاسة الأولى، وهذه الميزة يتوجّب عدم التفريط بها.

ـ التأكيد على احترام إعلان بعبدا الذي أقرّته طاولة الحوار الوطني، وتعويم سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية عبر صيغة تهدف إلى احتواء تداعيات انغماس بعض الأطراف اللبنانية فيها.

ـ التمسّك بدور الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية في الحفاظ على السلم الأهلي وحماية السيادة والمؤسّسات ورفض كلّ تسييس لها أو مسّ بها.

ـ تشكيل حكومة حيادية مؤقّتة لإدارة العملية الانتخابية بالتزامن مع توافق على قانون للانتخابات يراعي هواجس الجميع ويحقّق أفضل تمثيل ممكن، وإذا لم تكن التسوية ممكنة في قانون مختلط وفق القيد الطائفي، فليكن هناك قفزة نوعية عبر إنشاء مجلس للشيوخ يمثّل الطوائف، ومجلس نوّاب يتمّ انتخابه على أساس المواطنة.

ليس من المستحيل عدم التوصّل إلى تسوية خلّاقة في هذه اللحظة الحرجة، في الماضي ابتكر الطاقم السياسي اللبناني شعار لا غالب ولا مغلوب منذ عام 1943 حتى نهاية الستّينات، وأمّنَ ذلك استقراراً وازدهاراً على رغم بعض النكسات. واليوم مع الذهاب إلى رحاب المواطنة وتبنّي الحياد العسكري الخارجي والتسليم بلبنان كوطن نهائيّ وبالولاء له فوق كلّ الولاءات، يمكننا كسب الرهان على المستقبل وإنقاذ لبنان