هكذا «أقنع» «حزب الله» ميقاتي بالإنقلاب


فيما كان المعترضون والداعمون لسلسلة الرتب والرواتب، يعتقدون ان الملف قد سقط الى غير رجعة، فاجأ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الجميع تقريبا، باستثناء من أوحى له بذلك، باعادة السلسلة الى الواجهة، مع ترجيح كفة تمريرها اليوم الاثنين في جلسة مجلس الوزراء. فمن يقف وراء هذا الانقلاب؟ وماذا ستكون تداعياته على الاقتصاد؟





عندما باشرت الهيئات الاقتصادية الاجتماعات مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، أوردت في ورقة الشروط او المطالب، بنداً يتعلق بضرورة سحب ملف سلسلة الرتب والرواتب من التداول. وتواصلت الاجتماعات، بعدما شعرت الهيئات بأن ميقاتي نفسه لم يعد مقتنعاً بامكانية تمرير السلسة، وانه صار متيقناً من ان هذا المشروع يمكن أن يزيد من ويلات الاقتصاد الذي يعاني من ضغوطات كبيرة.

لكن الاطمئنان الى موقف رئيس الحكومة لم يكن في محله. ليس بالضرورة لأن ميقاتي ضحك على الهيئات، كما يقول رئيس غرفة بيروت وجبل لبنان محمد شقير، بل ربما لأن ميقاتي نفسه لم يكن يملك قراره، ولم يكن يعرف بالمفاجأة التي حملها اليه وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية محمد فنيش الى السراي.

في تلك الزيارة، كان فنيش ينقل رسالة واضحة باسم حزب الله، وباسم 8 آذار: سلسلة الرتب والرواتب يجب أن تمر مهما كان الثمن. وقد أسهب فنيش في شرح مساوىء وسلبيات الخضوع للهيئات الاقتصادية، وعدم تنفيذ وعد سبق وأطلقته الحكومة باقرار سلسلة الرتب والرواتب. ولفت فنيش نظر رئيس الحكومة الى أننا على ابواب انتخابات نيابية، ولا يجوز ان يُترك هذا الموضوع كجرح مفتوح يمكن ان يؤثر سلبا على فريق 8 آذار المحسوبة عليه الحكومة الميقاتية.

ويبدو ان الاخراج كان جاهزا بالنسبة الى تمويل السلسلة من دون إشعار المواطن بثقل فرض ضرائب جديدة، من خلال اقتراح ميقاتي نفسه بزيادة عامل الاستثمار العقاري، أو ما صار يُعرف بـ"طابق ميقاتي". وبعدما كان هذا الاقتراح مرفوضا من التنظيم المدني، تبدلت الاحوال، وصار الطابق الذي كان يُخشى من تداعياته على البيئة، وجمالية الاعمار، لا يؤثر سلبا على اي من هذه الاعتبارات!

لكن، وبصرف النظر عن "الدفشة" التي دفعت ميقاتي الى هذا الانقلاب، لا بد من الاشارة الى ان هذا الاقتراح هو فعليا أهون الشرور المطروحة. ذلك ان فرض ضرائب جديدة من اجل تمويل السلسلة كان بمثابة كارثة حقيقية بالنسبة للاقتصاد. كما ان الاحوال المعيشية للمواطن، واوضاع المؤسسات لم تكن تسمح بهذا الأمر.

لكن ذلك لا يمنع ان المواطن سيتحمل وزر السلسة من خلال الزيادات التي ستطرأ على الاقساط المدرسية. هذا الأمر لا مناص منه، وسيطاول الشريحة الكبرى من المواطنين. كما ان سلّم الاجور في القطاع الخاص، سيخضع لضغوطات اضافية في الحقبة المقبلة، وستكون نسب البطالة مرتفعة اكثر مما هي عليه اليوم. هذا بصرف النظر عن العلاقة التي انهارت بين الحكومة وارباب العمل، على خلفية هذا القرار.

في موازاة ذلك، هناك مخاوف مبرّرة من أن "يمتص" طابق ميقاتي مفعول الأموال التي سيضخها مصرف لبنان لدعم قروض الاسكان. وقد تبيّن ان حوالي 60 في المئة من المبلغ (حوالي مليار و300 مليون دولار)، مخصصة للقطاع العقاري. هذه النسبة المرتفعة تعكس اهتمام حاكم مصرف لبنان بمنع حصول أزمة في القطاع الذي يواجه جمودا منذ فترة، وحرصه على استمرار الاقراض السكني لمنع العودة الى أزمات سابقة كانت تحول دون تملّك الشباب لمسكن. وقد جاءت القروض المدعومة، والتي استخدم فيها المركزي الاموال الاحتياطية المودعة لديه من قبل المصارف التجارية، لتساهم في حلحلة هذه المشكلة الاجتماعية.

من خلال إقرار طابق ميقاتي، ستزيد شهية المطورين العقاريين لاستغلال الوضع، خصوصا في ضؤ وجود المبلغ الاضافي المدعوم، بما يعني عملياً ان هذه الاموال التي سيتم استخدامها في العام 2013، لن تكون كافية لإبعاد كأس الركود عن القطاع العقاري، الذي قد يشهد فورة جزئية مرتبطة بمرسوم زيادة عامل الاستثمار، وسيزيد العرض مجدداً، في حين ان الهدف من ضخ الأموال كان خلق نوع من التوازن بين العرض والطلب.

أخيرا، تبقى هناك تساؤلات عن تفاصيل سلسلة الرتب والرواتب. وهل سيتم إقرارها بكل تفاصيلها التي كانت محط شكوك الوزراء أنفسهم، خصوصا لجهة الكلفة الحقيقية والتي لم تتضح تماما بعد، ام ان التعديلات التي تحدث عنها ميقاتي كافية لطمأنة الهيئات؟ وهل سيكون طابق ميقاتي، في حال حصول أزمة عقارية قادرا عل تأمين المداخيل الضرروية لتمويل السلسلة؟ وفي حال العكس، ماذا سيحل بالمالية العامة، سيما وأن المصارف صدف وأبلغت ميقاتي بوضوح انها لن تموّل اي عجز اضافي في الموازنة، وانها ملتزمة فقط تمويل العجز الحالي؟ ويأتي قرار المصارف ليعكس بوضوح الخطر الذي يستشعره هذا القطاع الذي يعاني من مشكلة فائض في الأموال يبحث عن طرق مناسبة لتوظيفها، لكنه مع ذلك، لم يعد مستعدا لتوظيف هذا الفائض في إقراض الدولة. فهل يحتاج الامر الى تمحيص اضافي لإدراك حجم الاخطار التي تحيط بالمالية العامة والاقتصاد الوطني بشكل عام؟

ألا يعني كل ذلك أن التصنيف الائتماني للبنان سوف يهتز، سيما وأن شركات التصنيف العالمية تراقب الوضع عن كثب، وسبق أن حذّرت ان أي خلل اضافي في العجز من خلال زيادة الانفاق سيؤدي حتماً الى خفض التصنيف السيادي للبلد؟

الجمهورية