بين القصير و«الأرثوذكسي» – عبدالله إسكندر – الحياة


يبرر «حزب الله» مشاركة عناصر فيه بالقتال الأهلي الدائر في سورية بأنهم لبنانيون ينتمون إلى الحزب ويعيشون في سورية ويدافعون عن أنفسهم في مواجهة هجمات المعارضة السورية المسلحة. وبغض النظر عن الموقف الذي يتخذه الحزب في الدفاع عن النظام السوري، وبغض النظر عن المرجعية الإيرانية للحزب والتي تعتبر أن النظام في دمشق خط أحمر، ما يعنيه ذلك من استعداد مسبق للقتال إلى جانبه، بغض النظر عن كل ذلك على رغم أهميته الشديدة، يبقى هناك جانب حقوقي يتعلق بكون مواطنين لبنانيين مسلحين في دولة أخرى، يبرر لهم استخدام السلاح. بما يعيد إلى الأذهان تلك الضجة التي ثارت يوم بثت إحدى القنوات التلفزيونية اللبنانية برنامجاً فكاهياً خلاصته أن «حزب الله» سيقاتل أينما وجد شيعي مظلوم في العالم.




هذا الحق الذي يعطيه الحزب لنفسه ولعناصره، يعني في العمق خروج الحزب فعلاً، من مفهوم الوطن اللبناني والدولة اللبنانية، على رغم كل الأقوال المعاكسة التي يقدمها قادته في المناسبات. ويعني أن الحزب غير معني بمصير الوطن والدولة في لبنان، إلا في مقدار ما يستفيد في مشروعه المافوق وطن ودولة اللبنانيين.

في هذا المعنى، لا ينفصل معنى القتال الذي ينخرط فيه عناصر الحزب في القرى السورية المحاذية للحدود اللبنانية وصولاً إلى بلدة القصير وأطراف حمص عن التمسك بـ «المشروع الأرثوذكسي» الانتخابي في لبنان، والذي يكرس نظام الملل، بما ينهي أي قاسم مشترك بين اللبنانيين قد يعيد تأسيس دولتهم ووطنهم، ويساوي بينهم جميعاً في الحقوق والواجبات، ويعيد حق حمل السلاح إلى الدولة حصراً.

تذرع الحزب بنص في اتفاق الطائف عن حق لبنان في المقاومة للاحتفاظ بسلاحه، وقد حصل ذلك تنفيذاً للإرادة السورية. لكن الحزب خرج من هذا الاتفاق التأسيسي عندما اعتبر أن سلاحه شأن خاص به يستخدمه في أغراض لا علاقة لها بتأسيس دولة التعايش بين اللبنانيين. وفي هذا المعنى خرج أيضاً عن روح الدستور اللبناني. وأكد هذا الخروج باندفاعته نحو «المشروع الأرثوذكسي» الانتخابي، بعدما خرج من الوطن والدولة بمشروعه العابر للحدود.

ثمة نقاش قديم يتعلق بطبيعة النظام اللبناني، المنبثق من اتفاق الطائف، وحسم هذا النقاش بفتوى من المرشد الإيراني لمصلحة المشاركة في الحياة السياسية اللبنانية. فدخل البرلمان ومن ثم الحكومة.

لكن، كما اتضح لاحقاً، أن هذه المشاركة لم تجعل منه حزباً «لبنانياً»، بمعنى الانتماء إلى الوطن والعمل في إطار الدولة. وخسر جميع المراهنين، في لبنان وخارجه، على «لبنانية» الحزب. في المقابل استفاد الحزب، في إطار مشروعه ما فوق اللبناني، من الحماية الرسمية اللبنانية، خصوصاً لجهة التعامل الدولي معه، وتصنيفه في بعض البلدان كمنظمة «إرهابية».

لقد جرى الترويج دائماً، خصوصاً في السياسة الخارجية اللبنانية، إلى أن أي تعرض للحزب، في ظل سلسلة من الاتهامات له، يعني ضرب الاستقرار في لبنان. وكانت هذه الحجة التي قدمت لمناسبة قضية التفجير في بلغاريا واتهام الحزب فيها. ليس المقصود هنا إدانة الحزب أو تبرئته من المسؤولية عن التفجير، وإنما للقول إن مشاركة الحزب في الحياة السياسية اللبنانية وفرت له غطاءً سياسياً دولياً، في وقت كان فيه دوره، على رغم هذه المشاركة، يتعارض مع الدستور وروحه.