ماذا بعد أن تحوّل «الأرثوذكسي» إلى أمر واقع؟ – شارل جبّور – الجمهورية


كلّ المؤشّرات تدلّ أنّ «الأرثوذكسي» تحوّل إلى أمر واقع، من فشل اللجنة الفرعية في التوصّل إلى مشروع قانون توافقي، إلى رفض النائب ميشال عون أيّ بديل آخر، وتأكيد السيّد حسن نصرالله أنّه سيقترع للمشروع الذي يتمسّك به حليفه.
لم يبقَ في كلّ هذا المشهد سوى الرهان على ردّ الرئيس ميشال سليمان لـ"القانون الأرثوذكسي" إلى المجلس النيابي بعد التصويت عليه، وأمام تعذّر إقراره مجدّداً بالثلثين تتّجه الأنظار إلى الـ60 أو تأجيل الانتخابات. ولكن في حال تجنّب سليمان ردّ "الأرثوذكسي" لاعتبارات مسيحية أو خشية من تحميله مسؤوليّة تمرير الـ60 فيعني أنّ الانتخابات ستُخاض على القانون الذي رعت بكركي التمهيد إليه.

وحيال هذه الوقائع لم يعد مفيداً مواصلة تحميل المسؤوليّات ورمي الاتّهامات المتبادلة، بل من الأنسب تهيئة الظروف لمعركة انتخابية تخرج منها مكوّنات 14 آذار منتصرة داخل بيئاتها، ما يحرم الطرف الآخر لذّة الانتصار الذي يفتقد إليه منذ 2005، والأهمّ حرمانه القدرة على مواصلة إمساكه بمفاصل السلطة.




فالحماس الذي يبديه "حزب الله" لـ"الأرثوذكسي" ليس حبّاً بالمسيحيين ولا حرصاً على المناصفة ولا تعلّقاً بالعيش المشترك، بل تمسّكاً بسلاحه عبر البحث عن أيّ صيغة تخوّله الحصول على الأكثرية التي تؤمّن له الغطاء لهذا السلاح. وقد أصاب الرئيس سعد الحريري في خطابه بتوصيف طريقة تعامل الحزب مع القوى السياسية على قاعدة "كلّ السياسات في خدمة السلاح"، بمعنى أنّه مستعدّ للتنازل عن أيّ حصّة وزارية ونيابية وحتى موقف مبدئيّ مقابل أن يضمن إبقاء السلاح خارج التداول.

وهذا التوصيف بالذات للحريري أكثر ما أزعج السيّد نصرالله، والذي دفعه إلى التذكير من جهة بما حاول أن ينسبه إلى الشهيد رفيق الحريري بأنّ الأخير أكّد له بأنّه مع "بقاء سلاح المقاومة إلى حين حصول تسوية عربية مع إسرائيل"، ومن جهة أخرى بالمبادرة التركية-القطرية وأنّ سعد الحريري مع "إنهاء ظاهرة انتشار السلاح والجُزر الأمنية على كافّة الاراضي اللبنانية "وليس المقصود سلاح حزب الله" بين هلالين".

وبمعزل عن صحّة ما نُسب إلى الرئيس الشهيد أو عدمه، فالوسيلة الوحيدة للتخلّص من سلاح "حزب الله" كانت التسوية في المنطقة، والدليل إقرار نصرالله برفض الحريري الأب المساكنة مع هذه الحالة بعد التسوية. ولكنّ المعطيات التي استجدّت بعد اغتيال الحريري وانسحاب الجيش السوري وضعت سلاح "حزب الله" في طليعة القضايا التي يجب معالجتها بمعزل عن وضع المنطقة، كون هذا السلاح وُجد بالأساس للانقلاب على الطائف وإبقاء لبنان ساحة لسوريا وإيران.

وأمّا عن المبادرة التركية-القطرية فالمستغرب أن تبحث قطر عن تسوية تكون ما دون التسوية التي أُبرِمت برعايتها في الدوحة التي نصّت بشكل واضح على "حصر السلطة الأمنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة".

ولكنّ العبرة والخلاصة من كلام نصرالله أنّ تخلّي السنّة عنه وانخراطهم في المشروع الاستقلالي دفعه إلى استبدالهم بالمسيحي، وأنّه يريد بشكل من الأشكال إحياء الصيغة التي كان يرعاها السوري بين حصر اهتمامات الحريري الأب بالاقتصاد، و"حزب الله" بالأمن والمقاومة، إنّما بصيغة مختلفة هذه المرّة على طريقة إعطاء المسيحيّين حقوقهم التمثيلية مقابل تغطيتهم لسلاحه، وهو حاول بإطلالته رشوة المسيحيّين من قبيل أنّه يعقد معهم صفقة تاريخية تحت عنوان "الأرثوذكسي"، مقابل رفض الحريري لهذا المشروع وتمسّكه بأولوية السلاح.

ولكنّ ما رفضه المسيحيّون مع النظام السوري، سيجدّدون رفضه لا محالة مع "حزب الله"، وفي حال أُجرِيت الانتخابات على أساس "الأرثوذكسيً، وبمعزل عن انعكاسات هذا القانون على طبيعة الاجتماع اللبناني وبُنية 14 آذار الإدارية الآيلة إلى "التفرطع"، يفترض البحث سريعاً بالسبل التي تحدّ من الخسائر عبر خوض مكوّنات 14 آذار المسيحيّة والإسلامية الانتخابات على أساس خطاب سياسيّ مشترك باعتماد العناوين التي وضعها الحريري في خطابه وفي طليعتها: "سلاح "حزب الله" أمّ المشكلات في لبنان".