الأصولية العلمانية لا تهزم الطائفيين – ابراهيم الأمين – الأخبار


المناورة الانتخابية الكبرى لفريق الاكثرية، قد تتحول الى امر واقع في حال اصر فريق «المستقبل» على تجاهل المتغيرات التي تدفع الى تغيير حقيقي في قانون الانتخابات. ومع ذلك يصعب فرض قانون قد يدفع غالبية طائفة معينة الى مقاطعتها وبالتالي تعريض شرعيتها الشعبية الى خطر. وهذا ما يجعل الاعتقاد قويا بأن الوظيفة الفعلية لاقتراح القانون الارثوذكسي، هي تفجير نفسه بقانون الستين الاكثري، ما يتيح الذهاب نحو قانون جديد يأخذ بالنسبية كنظام اقتراع.





مشهد لبنان اليوم يدعو الى الحيرة، إذ إن الطبقة السياسية المستمرة في حكمها منذ عقود، تراها مضطرة لصياغة نظام انتخابي غير النظام الاكثري. اي انها مضطرة لسن قوانين على غير مقاسها. وهذه الطبقة تقف اليوم في ساحة معركة قاسية، سوف تقود الى فرض نظام الاقتراع النسبي ولو بصورة جزئية في المرحلة الأولى. ما يعني ان هذه الطبقة، تترجم تراكم الضغوط بالاقرار بضرورة تعديل آليات التمثيل في المؤسسات الحاكمة. اي انها تلبي ضمناً مطالب فئات لبنانية كثيرة تعاني التهميش بفعل القانون الاكثري والتحالفات المرافقة له.


المشهد الواقعي نفسه، يدل في مكان آخر، على وقائع بائسة. فالقوى المفترض أن تكون مستفيدة من التغيير النوعي في قانون الانتخابات تتصرف اما على اساس انها غير مصدقة لما تراه امامها، او انها فعلا تعاني مشكلات عميقة تحول دون استغلالها المتغيرات لفرض تمثيلها داخل مؤسسات الدولة. وهذا واقع يفرض الاسئلة الصعبة في ضوء المشاركات الهزيلة في كل تحركات القوى غير الطائفية المطالبة بالنسبية الشاملة في الانتخابات، حتى بدت صورة المشاركين في اعتصام الاثنين امام مجلس النواب وكأنها صورة عدد قليل من المواطنين يقفون في طابور امام دائرة رسمية. وهذه المشاركة الهزيلة جدا، توحي اما بأزمة الثقة بين الجمهور المدني او غير الطائفي بمن هم الآن في موقع الناطق باسمه، او ان هذا الجمهور لا يريد هذا النوع من الاليات في التحرك والحضور.


الاحتمالان واقعيان. عدد غير قليل من اللبنانيين شاركوا في التظاهرات التي دعت قبل أكثر من سنة الى إسقاط النظام الطائفي، لكن هؤلاء سرعان ما احبطوا بفعل غياب القيادة الواعية لحجمهم ولحماستهم. ومن جانب آخر، فإن وقائع معركة الزواج المدني، يدل على ان المنخرطين فعليا فيها، هم في حقيقة الامر اقلية قياسا الى المطالبين بالغاء النظام الطائفي، باعتبار ان قضية الزواج لا تمثل اليوم رأس اولويات الاصلاحيين في لبنان. ومع ذلك، فإن الحضور الاعلامي بدا قويا جدا وفارضا نفسه على جدول اعمال الجميع. حتى ليخال إلى زائر لبنان، ومن متابعة وسائل الاعلام على اختلافها، ان اللبنانيين يعبرون ببلدهم نحو الصيغة المدنية الشاملة، مع العلم ان الوقائع لا تطابق هذا التصور.


الواقع نفسه يقود الى استنتاجات توجب النظر الى المسائل الخلافية بطريقة مختلفة، فالنظام النسبي يتيح تغييرا حقيقيا في التمثيل السياسي للقوى الناشطة في البلاد. وبالتالي، فإن القوى المتضررة من النظام الطائفي قادرة على استغلال اي قانون يقر بالنسبية، لأجل تشكيل جبهة موحدة قادرة على توفير نسبة مقبولة من الاصوات تتيح وصول كتلة نيابية ولو صغيرة، قادرة على اقلاق راحة الطائفيين في المؤسسات الرسمية للدولة، وان تخوض معارك من اجل اقرار كل القوانين المدنية التي تتيح التفلت من قيود النظام الطائفي. وبالتالي، فإن جدية هذه المعركة وفاعليتها تتجاوز بكثير معركة الزواج المدني، ما يعني ان منطق الامور يقود الى اعتبار معركة اقرار النسبية محفزا قويا جدا، خصوصا بعد الاختراقات التي حصلت من خلال الاقرار ولو غير النهائي بالقانون الارثوذكسي على سوئه.


لكن لماذا لا تلوح في الافق استعدادات لهذا النوع من المعارك؟


الارجح، ان القوى التي تدعي لنفسها احتكار شعارات الدولة المدنية، تعتقد ان فكرة المجتمع المدني ما هي الا صورة عن المنظمات الفردية التي تعمل باسم المجتمع المدني، وهي المنظمات التي تعكس افلاس الحياة الحزبية او تساهم في ضرب هذه الحياة، وهي باتت مع الوقت مصدرا للمنفعة المالية المباشرة على شكل صناديق الطوائف في الدولة. ثم لكون النواة العلمانية المتمثلة في بقايا اليسار اللبناني وفي أحزاب اخرى عقائدية غير طائفية، مثل القوميين والبعثيين والناصريين، تواجه معضلة حقيقية على صعيد خطابها السياسي، وطروحاتها العامة الى جانب بناها التنظيمية المترهلة والمتخلفة. وهذا بحد ذاته يشمل سببا كافيا لانصراف الناس عنها.


لكن الخطأ الاكبر، سببه اعتقاد البعض انه يمكن تحويل معركة اسقاط النظام الطائفي الى معركة اضافة طائفة جديدة إلى التشكيل الطائفي اللبناني ولو كان اسمها طائفة اللاطائفيين. ما يعني اضافة عنصر انقسامي جديد في البلاد، علما ان المطلوب هو التزام جميع المواطنين بقوانين مدنية متطابقة، تتيح للفرد التعبير بحرية عن معتقداته ولا تلزمه الا باحترام حرية الآخرين.


الارجح ان المهمة الاولى امام المعنيين بتغيير المشهد السياسي في لبنان، هي التخلص من «التيار الاصولي العلماني» الذي لا يميزه عن «جبهة النصرة» الا اسم الاله ولون العلم!