هل يعطل قانون الانتخابات الديمقراطية في لبنان؟ – باسم الجسر – الشرق الاوسط


نحو أي مصير يندفع اللبنانيون، أو بالأحرى، يدفعون؟ سؤال يطرح، وبإلحاح، على المستوى الوطني، كما على المستوى الإقليمي، بل والدولي. فموعد الانتخابات النيابية بات قريبا، ولكن هل تجرى انتخابات إذا عجز المجلس النيابي عن سن قانون جديد للانتخابات؟ أو إذا اضطرت طائفة معينة إلى مقاطعة انتخابات، فصل قانونها لتحجيمها سياسيا؟ وماذا بشأن انتخاب رئيس الجمهورية المقبل؟ هل المجلس الحالي المجدد له هو الذي سينتخبه؟ أم سوف تقع الحياة السياسية في دوامة جديدة أمام هذا الاستحقاق؟




المشكلة ليست في الانقسام السياسي والحزبي الحاد بين 8 و14 آذار فقط، بل هي أيضا وخصوصا في مآل الثورة في سوريا. فتوازن القوى السياسية في لبنان مرهون ببقاء أو سقوط النظام الحاكم في سوريا. وقبل أن تنجلي الأمور في سوريا يقف الأفرقاء السياسيون في لبنان، كل على سلاحه، متأهبا. ويرتفع فوق رؤوس اللبنانيين أكثر من سؤال مصيري.

لو سألت المواطن اللبناني العادي عن رأيه أو موقفه من هذه «المأساة / المهزلة» السياسية التي تعرض فصولها كل يوم على شاشات التلفزيون، لما سمعت ردا سوى الاستنكار والرفض، بل والإدانة لممثليها. فلبنان خسر الموسمين السياحيين الأخيرين بسبب حالة التوتر والعنف السياسيين. وأفدح من ذلك، إيهان المقوم الأساسي لكيانه الوطني، وأعني الوحدة الوطنية التي أصبح اسمها الجديد: «الوفاق الوطني» أو «العيش المشترك»…

وإلا فماذا يعني هذا التكتل الطائفي حول «المشروع الأرثوذكسي» للانتخابات الذي يلغي المواطنية اللبنانية، ويناقض الدستور الذي ينص على أن النائب «يمثل الأمة» وليس الطائفة؟

بعد قرن من نشوء الكيان اللبناني وسبعين سنة من استقلاله وصموده الوطني والديمقراطي في وجه الأحداث والتحولات الإقليمية والدولية، ولا سيما خروجه من الحرب الأهلية التي كادت تدمره – ترتفع أصوات طائفية ومذهبية ناقضة لهذه «الرسالة» التي يجسدها العيش المشترك والوفاق الوطني بين المسلمين والمسيحيين، بحجة أن «التمثيل المسيحي» ليس صحيحا في بعض الدوائر الانتخابية بسبب وجود ناخبين مسلمين فيها يرجحون فوز المرشح «الأقل تمثيلا» للمسيحيين، أي الأقل تعصبا طائفيا.. كأنما التمثيل الصحيح يفترض التطرف والتعصب، لا الانفتاح والاعتدال والوطنية التي تتقدم ديمقراطيا على الطائفية والمذهبية؟

منذ استقلاله، ومن أجل مشاركة عملية بين المسلمين والمسيحيين في اختيار ممثلي الشعب، أي الهيئة التي ينبثق عنها الحكم، كانت قوانين الانتخابات تحرص على تقسيم الدوائر الانتخابية على أساس المحافظات، من أجل تعزيز هذه المشاركة وقطع الطريق على السياسيين المتعصبين طائفيا، تشجيعا للاعتدال السياسي ولنشوء أحزاب أو تكتلات وطنية عابرة للطائفية. ولكن أصواتا ارتفعت تطالب بتصغير حجم الدائرة – المحافظة بحجة «محاربة الإقطاعية أو تقريب المرشحين من ناخبيهم». إنما تجربة تصغير الدوائر أو الدائرة الفردية (قانون 1953) لم تحقق أي غاية ديمقراطية أو وطنية منها. ووصل لبنان إلى ثورة 1958 ثم إلى الحرب الأهلية. وانطلاقا من هذا التجارب، نص اتفاق الطائف – وهو الدستور والميثاق الوطني الجديد – على أن تجرى الانتخابات على أساس دوائر كبرى تضم مسلمين ومسيحيين. فالعيش المشترك «على الأرض الواحدة» يجب أن يترجم تعاونا واتفاقا بين الطامحين إلى الحكم، قبل انتخابهم. فيكون النائب أو الوزير «ممثلا لكل اللبنانيين» وللوطن أجمع، قبل وبعد انتخابه أو تعيينه. وليس مندوبا لطائفته في مجلس النواب أو الحكومة، فقط.

إن الديمقراطية هي سيارة الحكم ومقوده، لا تقتصر على وجود برلمان يشرع ويراقب، وأكثرية نيابية تحكم، وسلطة قضائية مستقلة فحسب، بل يجب أن يتوافر لها – كما للسيارة – «الزيت والشحم والطاقة» كي تنطلق. وهذه العناصر هي الانفتاح والاعتدال والتعاون والحوار والإيجابية، لا التعصب والتطرف والتقوقع الطائفي أو المذهبي أو العرقي. وإلا فليتحول نظام الحكم في لبنان إلى فيدرالية أو أن يقسم بين الطوائف.. ولكن أوليست الفيدرالية ثوبا واسعا على هذا البلد الصغير؟ أوليس التقسيم انتحارا وطنيا، بل ووجوديا لكل اللبنانيين؟

لقد شهد لبنان عهودا جميلة، تجلت فيها الوحدة الوطنية في أفضل مظاهرها، وتعاون فيها ممثلو الطوائف والمناطق في البرلمان والحكم على خدمة «كل لبنان» و«كل اللبنانيين»، بصرف النظر عن «نوعية» الأصوات التي انتخبتهم. ولم ينجرف لبنان، يوما، نحو التشنجات الطائفية، كما في عام 1958 أو حرب 1975 – 1990، إلا عندما تكتل زعماء طائفة معينة ورفعوا شعارات طائفية، فدفعوا اللبنانيين إلى التقاتل..

هل يتمكن النواب اللبنانيون من الاتفاق على قانون جديد للانتخابات ينبثق عنه مجلس نيابي جديد، وتنبثق عنه حكومة أكثرية منسجمة وقادرة على بناء دولة حديثة؟ هذا ما يتمناه كل لبناني. ولكن كل شيء يدل على العكس، أي على أن المصلحة الحزبية والطائفية والوصولية والتبعية الخارجية هي الغالبة على نفوس وفي عقول معظم السياسيين، وعلى أن الكلمة الحاسمة في الاستحقاق الانتخابي واللعبة السياسية في لبنان، ما زالت مرتبطة بما يجري في سوريا، وبمن سيكون الحاكم في دمشق بعد عام..

لسوء حظ اللبنانيين!