الوزن المسيحي – شارل جبّور – الجمهورية


سادت في الوسط السياسي والإعلامي والشعبي مقولة إنّ المسيحيين إمّا ملحقين بالسنّة أو بالشيعة، ومردّ هذه المقولة عائد لاعتبارات عدة، أهمها:

طبيعة الانقسام في لبنان والمنطقة، وهو انقسام على قاعدة مذهبية سنية-شيعية وليست مسيحية-إسلامية.




الصراع بين الرياض التي تحضن تيار "المستقبل" وتدافع عن مشروع الدولة في لبنان، وبين طهران التي تحتضن "حزب الله" وتدافع عن مشروع الدويلة.

تمتّع "المستقبل" بفائض قوة سياسي وشعبي ومالي، وتمتّع الحزب بفائض قوة عسكري وسياسي وشعبي.

تمحور اللعبة السياسية بين الرئاستين الثانية والثالثة، خلافاً لما كان عليه الوضع إبّان الجمهورية الأولى حيث كانت الرئاسة الأولى محور الصراع.

انتخاب "المستقبل" و"الاشتركي" عدداً لا يُستهان به من النواب المسيحيين مقابل ترجيح "حزب الله" كفّة لوائح مسيحية على أخرى.

خروج المسيحيين من 15 سنة وصاية منهكين ومتبعين وفي حالة من الوهن الشديد على المستويات كافة نتيجة إضعافهم عن سابق تصوّر وتصميم، فيما القوى الإسلامية على اختلافها راكمَت نفوذا وحضورا…

وحيال هذا الواقع برزت وجهات نظر ثلاث:

وجهة أولى تدعو إلى تحييد المسيحيين عن الصراع السني-الشيعي ووضع أولويات مسيحية، والتحييد بهذا المعنى يعني الاستقالة من دورهم الوطني، لأنه من غير الجائز وضع الفئتين السنية والشيعية على قدم المساواة، فيما المعضلة الأساسية التي تبقي الدولة معلقة تتمثّل بسلاح "حزب الله" والباقي مجرد تفاصيل.

وجهة ثانية تدعو إلى التحالف مع "حزب الله" في امتداد موضوعي للتحالف مع النظام السوري على قاعدة أنّ لبنان غير قابل للحياة، وأن الأولوية للبراغماتية لا للمبدئية السياسية، هذه المبدئية التي قادت إلى 15 عاما من النفي والاعتقال، فيما كانت الفئات الأخرى تتنَعّم بالسلطة ومغانمها، وبالتالي لا ضير من مقايضة الغطاء السياسي لسلاح وظيفته إقليمية وحلّه غير داخلي بتحسين ظروف المشاركة في السلطة.

وجهة ثالثة تدعو إلى مواصلة النضال على أساس الثوابت التاريخية، وأهمها أن لا خلاص للمسيحيين إلّا بخلاص الوطن واكتمال سيادته واستقلاله. وبالتالي، فإنّ انضمام شريحة مؤسسة للكيان إلى هذه العناوين يعتبر مكسباً تاريخياً ووطنياً ويسهم في دفع المعركة السيادية إلى الأمام.

ومن هنا، فإنّ التحالف بين السنة والمسيحيين ليس نأياً عن النفس ولا رشوة أو مقايضة، كما هي الحال مع عون و"حزب الله"، بل تقاطعاً وطنياً ومساراً بديهياً لجعل لبنان دولة طبيعية.

ولكن مع الوقت ساد شعور لدى القوات والكتائب بأنّ المكوّن المسيحي في 14 آذار غير مؤثّر في المعادلة الوطنية، ويتمّ التعامل معه على أساس أنه "أم الصبي"، بمعنى أن خياراته المبدئية غير قابلة للمراجعة، بخلاف النائب وليد جنبلاط. وهذا ما أدى، ولَو عن غير قصد، إلى عدم الأخذ في الاعتبار دوره ومصالحه وحضوره.

وإذا كانت المقارنة مع عون والحزب لا تجوز، كون الأخير على استعداد لمقايضة أيّ شيء مقابل بقاء سلاحه، فيما المستقبل مشروع سلطة على غرار القوات والكتائب، وأن يكون أيّ طرف مشروع سلطة لا يُقلّل إطلاقاً من ثوابته ومسلماته الوطنية والتزاماته المبدئية والدولتية، إلّا أن العبرة أنّ مكوّنين من الطبيعة نفسها لا بد أن يصطدما في مكان ما، وهذا ما حصل في القانون الانتخابي في الوقت الذي كان يفترض بالطرفين وضع الماء في نبيذهم وإيجاد تسوية الحد الأدنى، بدلاً من توسيع الهوة لدرجة بات يصعب ردمها.

يجب الاعتراف أنّ 14 آذار لم تتحوّل إلى جبهة، وغياب الرئيس سعد الحريري وآليات التواصل المفترضة والاجتماعات التنسيقية، وبروز اتجاه لدى "حزب الله" باللعب "صولد" في الانتخابات نظراً لمَصيريّتها بالنسبة إليه، مقابل عدم تحسّس "المستقبل" بالحاجة المسيحية، إن لصَدّ المزايدة العونية أو لإدخال تعديلات على قواعد اللعبة داخل 14 آذار فَرضَها غياب الحريري واختلاف حجم المسيحيين ودورهم وتأثيرهم. وبالتالي، كل هذه العوامل، إضافة إلى مجموعة تراكمات أخرى أدّت إلى ما أدت إليه.

ويجب الاعتراف أيضا أنه على أحقية ما تقدم، ولكن هذا كله لا يعوّض الخسارة التي مُني بها القوات والكتائب على مستوى الشارع الإسلامي والفئة النخبوية، إذا كان بإمكانهما تحصيل حقّهما البديهي في الشراكة السوية داخل انتفاضة الاستقلال من دون الانتقال فجأة من عنوان وطني إلى مسيحي يتناقض مع فكرة الانتفاضة نفسها، والأخطر توفير الفوز لقوى 8 آذار في الانتخابات.

ويجب الاعتراف أيضا وأيضا أن تجربة النائب وليد جنبلاط قد تكون مشجّعة بالنسبة إلى الثنائي القوّاتي الكتائبي، ليس من زاوية خروجه من 14 آذار وتصويته لرئيس حكومة "حزب الله" ومساكنته مع السلاح تحييداً للساحة الدرزية عن 7 أيار أخرى، إنما مشجّعة لناحية تحوّله إلى بيضة قبّان داخل المعادلة الوطنية لمجرد امتلاكه كتلة نيابية لا تزيد عن كتلة القوات وسَعي الحريري نفسه إلى إعادة التواصل معه وترميم علاقته مع السعودية، على رغم دوره الأساسي في عدم تسميته رئيساً للحكومة.

وبهذا المعنى يعطي الانقسام القائم أيّ كتلة هامشاً مهماً، وافتقاده تحت عنوان "أم الصبي" أفقد المسيحيين دوراً مؤثراً، فيما بإمكانهم لعبه من دون المَس، بخلاف جنبلاط، بالثوابت.

قد تكون الأمور وصلت إلى حد الافتراق مركزياً واستمرار الالتقاء وطنياً، وهذا ما لا يجب أن يفسد في الودّ قضية، فيما من واجب القوى المؤمنة بالتيارات العابرة للطوائف التأسيس لحالة تنظيمية تعيد الاعتبار للحظة 14 آذار لعلها تستطيع أن تثبت قدرتها وتتحوّل إلى عدوى وطنية، أو تسلّم بقدرها بأن هذه الحالة ستبقى نخبوية ولن تنجح بالتحوّل الى شعبية.