لن يُتيحوا عودة الحريري لا قبل الإنتخابات ولا بَعدها


كان الانطباع السائد أنّ حزبي "القوات اللبنانية" والكتائب أعلنا، في البداية، دعم "الأرثوذكسي" كمناورة لا أكثر. والانطباع السائد اليوم هو أنّهما لا يزالان يناوران ربّما… ولكن عكسيّاً:




في البداية كانا يريدان الظهور وكأنّهما يدعمان "الأرثوذكسي" في العمق، فيما الواقع أنّهما ينتظران سقوط المشروع من تلقاء نفسه. ففي اعتقاد الكثيرين أنّ المتضرّرين منه سيسقطونه، وفي مقدّمهم "الثنائي الشيعي" الذي لم يتجاوب في السابق مع أيّ طرح مسيحيّ لإصلاح الخلل في المشاركة.

أمّا اليوم فربما تكون المناورة قد انقلبت، أي أنّ الحزبين المسيحيَّين باتا يريدان الظهور وكأنّهما يرفضان المشروع في العمق، فيما هما في الواقع يتيحان الفرصة له ليصل إلى المجلس ويجري إقراره. وعندئذٍ سيَظهر الحزبان وكأنّهما قاما بما عليهما للتوصّل إلى توافق، ولعدم تجرُّع كأس "الأرثوذكسي"، لكنّهما لن ينجحا.

ويفترض أصحاب هذا الرأي أنّ "الأرثوذكسي" يحظى فعلاً بدعم "حزب الله" و"أمل"، وأنّ هذا الخيار سيصل في النهاية الى المخرج الدستوري المتاح، أي طرح "الأرثوذكسي" للتصويت عليه، بعد وصول الوضع الى أحد خيارين صعبين: تطيير الانتخابات أو "الأرثوذكسي". فقانون 1960 ليس القانون الساري المفعول، إذ يحتاج الى المرور في المجلس للتعديل بإقرار الهيئة المشرفة على الانتخابات وآلية اقتراع المغتربين.

وفي ذلك، سيكون المجلس النيابي الناتج عن انتخابات بقانون "الأرثوذكسي" غير ميثاقي لكنّه دستوري، تماماً كما حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بعد انسحاب الوزراء الشيعة منها.

… يفركون القمقم

إذاً، في السياسة، هناك ارتباط بين تزكية بعض القوى لطرح "اللقاء الأرثوذكسي" واستمرار غياب الحريري أو تغييبه. وفي هذا المنظار، يمكن اعتبار "الأرثوذكسي" مشروعَ حقّ يراد به حقّ، كما يراد به باطل. لكنّ المثير هو أنّ قوى داعمة لهذا المشروع الفدرالي لم تقبل يوماً طروحات "إنعزالية" أيّاً تكن المبرّرات.

وهذا ما يدعو إلى التساؤل: هل دقّت ساعة الفدرالية بدءاً من العراق… مروراً بسوريا؟ أم إنّه تكتّل القوى الأقلّية في مواجهة الاستحقاقات الآتية؟ أم إنّه، في بساطة، خدعة لاستيعاب المسيحيين في محور؟ سواء أكانت أبعاد "الأرثوذكسي" تكتيكية أم إستراتيجية، وسواء أكان من اختراع محلّي أم إقليمي، فإنّه مؤشّر إلى واقع يزداد خطورة.

وفيما يغيب الحريري، تتّسع بقع الزيت المتطرّفة في طرابلس وعكّار والبقاع وصيدا وسواها، وإذا طال الغياب فقد تترابط بقع الزيت. والاعتدال السنّي الذي يقوده خصوصاً تيّار "المستقبل" سيدفع الثمن. وعندئذ، سيسأل مسيحيّو "14 آذار": في الانتخابات، على لائحة مَن سيأتي النوّاب المسيحيون في الدوائر ذات الغالبية السنّية: "المستقبل" أم المتطرّفين؟

تلك هي المسألة. فالتحدّي غير مطروح للأشهر الأربعة المقبلة قبل الانتخابات، بل للسنوات الأربع المقبلة بعد الانتخابات.

والحريري الذي كان طموحه أن يعود إلى لبنان في ذكرى 14 شباط 2012، وفي تشييع اللواء وسام الحسن، وفي ذكرى 14 شباط الأخيرة، لم تتحقّق له هذه الأمنية. وتلاحقت المعلومات أخيراً عن استهدافات أمنية محتملة له ولأقطاب وشخصيات ومسؤولين آخرين، ما يجعل العودة مستحيلة حتى التغيّر الكامل لقواعد اللعبة وعناصرها في لبنان وسوريا.

والمستفيدون من غياب الحريري، أو تغييبه، يدركون أنّ العزف على وتَر الخوف المسيحي يُناسبه غياب الحريري وخلوّ الساحة للتطرّف. والكلام الهادئ الذي أطلقه رئيس "المستقبل" أخيراً حول ملفّات عرسال والانتخابات والزواج المدني وسواها يقابَل بالتجريح حتى في بيئة "المستقبل" النيابية والدينية والشعبية.

هناك مَن يفرك القمقم إيّاه ليَخرج ماردُ التطرّف السنّي وماردُ الخوف المسيحي في آن معاً. فهل ما زال "المستقبل" يملك الأوراق التي تسمح له بإنجاز المهمة الصعبة، أي إعادة الماردين معاً إلى القمقم؟

أوّل شروط النجاح عودة الحريري إلى قواعده سالماً، لكنّ هناك مَن يعمل للسلامة المفقودة والسلام المفقود، قبل الانتخابات وخلالها وبعدها.

جريدة الجمهورية