رفيق الحريري .. ومنابر الحضور والغياب – عمر الفاروق النخال


 




لو قُدِّر للبنان أن يؤنسن نفسه للحظات، وأن يصرخ بعدها ويعاتب ويشكو، لاعترف دون تفكير بأن جراحه نازفة ومفتوحة منذ 14 شباط 2005 ،التاريخ الذي أراد له القاتل أن يبقى أمثولة راسخة في ذهن كل لبناني عن ثمن الحرية الذي لا يمكن تسديده إلاّ بالدم والقتل والتفجير والتنكيل ولغة الاغتيال !!

 

لكأنّ 14 شباط 2005 التاريخ الذي كرّس الطلاق الأبدي ما بين المزاج اللبناني الوطني ونظام القتل في دمشق، بات عنوانًا وحيدًا ليوميات السوريين الغارقين اليوم في عذابات انتزاع الحرية ومواجهة نظام قاتل مستبد يستدرج بثقافة التنكيل إيّاها ولغة الذبح والمجازر ذاتها عروض الحرية وأثمان الكرامة ورايات العدالة التي لا بدّ سترفرف فوق صروح القهر وأقبية الظلم والظلام وإن مدميّة ومضرّجة!!

 

ثماني سنوات مرت على لبنان، وما يزال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هالة تسهر على عذابات الوطن الباحث عن رقعة من لبنان ما قبل 14 شباط 2005، وحالة تضبط إيقاع العلاقة مع سوريا في عز الخلاف وأوج الجفاء، فهكذا هم الكبار دائمًا، وهكذا هي القامات الوطنية، تكمل حضورها رغم الغياب وتكرّس عناوين التلاقي وإن بعد مقتلة ودم!!

 

ما أراد الرئيس الشهيد رفيق الحريري قوله على منابر الحضور يقوله اليوم وبصراحة مطلقة على منابر الغياب والذكرى، بعدما توحّد الدم ليعرّي قاتلاً واحدًا عربد في كل لبنان ساعة اغتال رفيق الحريري وسمير قصير وجورج حاوي وكمن لجبران تويني والياس المر ومي شدياق ووليد عيدو وبيار الجميل وفجّر أنطوان غانم وفرنسوا الحاج ووسام عيد ووسام الحسن، ويعربد اليوم في سوريا محاولاً إقفال الطرق على ربيع الحرية الداهم!!

 

ما أراد الرئيس الشهيد رفيق الحريري قوله على منابر الحضور يقوله اليوم على منابر الغياب والذكرى، بمجرد سخريته من سنوات إشكالية لم يكن فيها الخلاف مع سوريا إلاّ صرخة غضب ولاءات مدوية بوجه من سرق حلم لبنان الباقي، وبوجه قاتل إستكثر على اللبنانيين حتى أحزانهم، فمضى قتلاً وإرهابًا وتصفيةً لقافلة من أحرار ومفكرين ورجالات سطّروا بدمائهم سيرة حرية ثكلى ووقعوا راياتها بالدم الغالي.

 

كل الخلافات مع سوريا صغيرة اليوم بعين رفيق الحريري، عندما يرى من على منابر الغياب رايات الثورة السورية حاضرة وخفاقة في المحطات اللبنانية الوطنية، وعندما يستمع إلى هتافات هذه الثورة تمتزج بهتافات وشعارات انتفاضة الأرز ، وعندما يشهد للموج البشري امتداده إلى ساحات وميادين الكرامة في سوريا، لكأنّه أمام هذا المشهد مذهولاً بجماهير ثارت وأنصفت ثورات جيرانها، لكأنّه أمام هذا المشهد يتلقف لحظة الحقيقة التي استشرفها ووصّفها وشرح أبعادها لساكن قصر المتاجرين قبل أن تغتال متفجرات الغدر خطاب النصر والتحرر الذي لم تكتب له الإطلالة من على منابر الحضور، فيحاول اللبنانيون جمع كلماته المتناثرة كلما أشرقت شمس تاريخ 14 شباط.

 

في الحضور والغياب سكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري وجدان اللبنانيين بسلوك وطني جامع وبأقوال ومواقف وشعارات طبعت الصورة السياسية للبنان على نحو كان الرئيس الشهيد قادرًا على صدّ كل المواقف المسبقة منه والحاقدة عليه وعلى مدرستة السياسية بعبارة لا تتعدى السطر الواحد، إلا أنه أمام المشهد الدموي في سوريا اليوم ولو قُدّر له الوقوف على منابر الحضور لما وجد أصدق من المزاج السوري شعارًا، لو كان رفيق الحريري بيننا اليوم لكان اختصر حتمًا خطابه بشعار "سوريا بدها حرية"!!

***

نعم، وحدها الثورة السورية كانت ستحلّ نجمة خطاب الرئيس الشهيد رفيق الحريري لو كان بيننا اليوم، لأنها أثلجت قلبه وروحه، ولأنها الثورة التي تصون وتحصن نفسها كل يوم ولأنها الثورة التي تعلّمت وعلّمت وقدّمت نفسها ثورة شعب لكل متردد أو مشكك أو حتى مستهزء بنهاية ليل الظلم الطويل.

 

لا شيء عند رفيق الحريري يقوله هذا العام إلا للثورة السوية، لا قبلة يطبعها إلا على جبين وخد هذه الثورة ، لا ابتسامة شكر وامتنان إلا لهذه الثورة التي نهلت من ساحات وميادين بيروت بذور الحرية لكنّها لم تعلّم ثوار بيروت الثبات الحقيقي المطلوب!!

 

يعز على رفيق الحريري بعد ثماني سنوات، أنه صاغ باستشهاده أولى ثورات العالم العربي وأولى انتفاضات الحرية، فوجدها على برهة من ضياع ناسها وتباين قياداتها وتشظي روحيتها في درعا وحمص وحلب وحماه والحميدية ودير الزور وحلفايا والشام وغيرها من المدن والمناطق والمحافظات لكن بوجوه سورية آمنت بقيمة الثبات والتصميم فأنتجت ثورة علّمتنا وتعلّمنا كلّ يوم كيف نكون أحرارا، وكيف ننتصر على سيوف السفاحين وعلى نار وحديد وبارود القاتل!!

 

رفيق الحريري فرح بثورة الياسمين الدمشقي إلى أبعد الحدود وعاتب على ثورة الأرز التي سلّمت مقاليد القيادة لوجوه لا تفقه ترجمة المعاني النضالية، ولا تداوي حرقة الشباب اللبناني على الأيام الآذارية المجيدة من عام 2005 إلا بالطرح الاستسلامي والتريث القاتل المميت!!

 

رفيق الحريري يكتفي هذا العام بمباركة الثورة السورية، لعل إطلالته الافتراضية هذه عن منابر الغياب تكون درسًا مستفادًا لكل من يسهم عن قصد أو غير قصد في التفريط بروحية ثورة الأرز وتشتيت جماهيرها وتخديرهم بحقن الوقت الضائع!!

 

في الذكرى الثامنة لاستشهاده، الرئيس الشهيد رفيق الحريري عاتب علينا جميعًا، وصوت عتابه يضاهي صوت دوي متفجرة 14 شباط 2005 !!