الحريري… والكلام الوطني القاتل – عُدي ضاهر – الجمهورية


أيقن كثيرون من اللبنانيين الذين تابعوا مقابلة الرئيس سعد الحريري حقيقة وجوده القسري خارج لبنان. وأيقنوا أيضاً أنهم أمام رجل عابر للطوائف تماماً كما كان والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأنه يمثل خط الاعتدال في هذا الوطن المشرذم لا خط التشدد سواء على مستوى طائفته أو على مستوى مجموع الطوائف التي يتألّف منها الكيان اللبناني.
وأيقنوا أيضاً وأيضاً كم هو عفوي وصادق في طروحاته، وأيقنوا أخيراً أنه عائد إلى بلده على رغم التهديدات، وأنّ دمه في حال تعرضه لمحاولات اغتيال لن يكون أغلى من دم مَن سبقه من شهداء ثورة الأرز على مذبح الحرية والسيادة والاستقلال والعيش المشترك.

ماذا أولاً في الوجود القسري للحريري خارج لبنان؟




بدايته، ليس خافياً على أحد أن الرجل تعرّض للعديد من التهديدات وخلافاً لما روّجته بعض وسائل الإعلام المناهضة له في الداخل عن انه غادر لبنان الى باريس تاركاً جمهوره ومحبيه يتخبطون في الشارع السياسي وحدهم من دون قائدهم، في وقت يعرف فيه القاسي والداني انه مهدد بالفعل، وأنّ آلة القتل التي تجرأت واغتالت الرئيس رفيق الحريري لن تتوانى عن إعادة الكرة مرة أخرى، عندما ترى أنّ مصلحتها تقتضي ذلك، وجمهور الحريري الأب والابن يقدر هذا الأمر ويقدر أيضاً عدم عودته في مثل هذا الوقت حق تقدير في انتظار أن تتغير الظروف التي له وحده أن يقدرها كما اعلن.

ثانياً – في تمثيله لخط الاعتدال

أثبت الحريري مرة إضافية تمسكه بخط الاعتدال الذي نشأ وتربى عليه، كما الكثير من اللبنانيين رافضاً المشروع الأرثوذكسي في المطلق، باعتباره يفرّق بين اللبنانيين على أساس مذاهبهم ويجعل من مقولة "فرّق تسد" هي السائدة في البلاد، في وقت سعى ويسعى إلى نبذ التفرقة وسدّ الفرقة في ما بينهم على مختلف الصعد وفي شتى المجالات في اعتبار لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه الى أي طائفة او مذهب انتموا.

وهذه المقولة كانت من الأسباب الأساسية التي أودت بحياة والده الشهيد في العام 2005 وحياة سائر شهداء ثورة الاستقلال لاحقاً، وقد بدا متمسكاً بها حتى النهاية حتى ولو كلفه ذلك حياته، موازياً نفسه بمن سبقوه على خطى الشهادة. وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ آلة القتل نفسها التي اغتالت سائر الشخصيات من الحريري الأب، وصولاً إلى اللواء وسام الحسن بالأمس القريب، إنما كان من ابرز أهدافها ضرب المعتدلين في مختلف الطوائف وإزاحتهم عن الساحة السياسية ليخلوا المكان أمام المتشددين والمتعصبين في دينهم وليس لدينهم الذي هو دين الله كما سائر الأديان التي أنزلت على بني البشر فوق هذه المعمورة.

ثالثا – في العيش المشترك

في استمرار تمسكه بصيغة العيش المشترك بين اللبنانيين على انتماءاتهم ومذاهبهم كافة والتي عبّر عنها الحريري بصورتين:

الصورة الأولى: التي لا تبارح تفكيره هي صورة المشهد الجامع للبنانيين في "14 آذار" 2005 والتي يتمسك برؤيتها على الدوام بديلاً عن الشرذمة والقوقعة والتفتت، وهي الصورة التي جمعته الى سمير جعجع وبيار أمين الجميّل وجبران تويني وجورج حاوي ووليد جنبلاط وباسم السبع وغيرهم من القيادات اللبنانية تحت شعار واحد وقَسَم واحد هو قسم جبران بأن "نبقى موحدين، مسلمين ومسيحيين، إلى ابد الآبدين دفاعاً عن لبنان العظيم".

الصورة الثانية: مرتبطة بصورة "الراهبة التي صلّبت على وجهها أمام قبر الشهيد رفيق الحريري"، ما يعطي دلالة واضحة على أي لبنان يريد الحريري ويعمل من اجل بقائه واستمراره في وجه مَن يريد ويعمل على شرذمته وتقسيمه شيعاً ومذاهب خدمة لمخططات قديمة – جديدة لا تخدم إلّا مصلحة إسرائيل وعنصريتها المعروفة.

هل يعود الحريري؟

من واجبه أن يعود كما عبّر عن ذلك صراحة، مؤكداً انه سيعود وقريباً جداً، علماً أن الظروف الإقليمية والمحلية المحيطة التي أقصته عن رئاسة الحكومة، وأجبرته على مغادرة لبنان لا تزال قائمة ولم تتغير حتى الآن. مع ملاحظة أساسية هنا مفترض أن يكون الرئيس سعد الحريري مدركاً لها، وهي أنّ الكلام الذي اعلنه يكاد يكون بمثابة الكلام القاتل له ولأمثاله من المتمسكين بوحدة لبنان ووحدة أبنائه وشعبه ومختلف طوائفه