الأسد يُسدِّد كرة خطرة في مرمى المعارضة – طوني عيسى – الجمهورية


عملياً، تتّجه المعارضة السورية إلى وضعية التشرذم، أي إلى ما قبل الإعلان عن «الائتلاف» قبل عشرة أسابيع. وتبيَّن أن الرئيس بشّار الأسد ما زال يمشي بين النقاط: فلا الميزان العسكري ضده… ولا التوازنات الإقليمية والدولية.
ما تبلَّغه رئيس "الائتلاف الوطني للمعارضة" أحمد معاذ الخطيب من رسائل، منذ وصوله إلى هذا المنصب في تشرين الثاني، كان كافياً لتبرير خطوته المفاجئة في قبول دعوة النظام إلى الحوار، وبأقل ما يمكن من الشروط. وتبيَّن أن توقيت الدعوة إلى الحوار، التي وجّهها الأسد في خطابه الأخير، لم يكن عبثياً بل ينطلق من أرضية هيأت لها موسكو، لكنها تحظى بتغطية الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفي تقدير المعارضة أنها تتعرّض لمؤامرة دولية مبطنة. فلا "الائتلاف" حصل على الاعتراف الموعود كممثل شرعي لسوريا، ولا "الجيش الحرّ" يزَوَّد بالسلاح. أما القوى العربية الداعمة للمعارضة فتختلف إزاء البديل من النظام. فالسعوديون والكويتيون والأردنيون يخشون تكرار التجربة المصرية، أي سيطرة "الإخوان المسلمين"، ما يمنحهم قاعدة ثانية يقفزون منها للسيطرة على أنظمة أخرى، وأولها الأردن.




أما الهواجس من انتقال الأسلحة غير التقليدية إلى جهات غير منضبطة، فهي تبرّر مخاوف القوى الإقليمية والدولية. والأمر لا يتعلّق فقط بالتنظيمات الجهادية في سوريا، بل أيضاً باحتمال تهريب النظام أسلحة إلى حلفائه في لبنان. والهاجس الإسرائيلي عبّرت عنه الضربة الجوية الأخيرة.

فالمعارضة السورية مطوَّقة. وعشيّة اجتماع المعارضة في القاهرة للبحث في إمكانات تأليف حكومة في المنفى، جاء موقف الخطيب ليؤكد اقتناعه بوجود مؤامرة على الثورة. وهذه المؤامرة ليست من صنيعة موسكو وبكين وطهران. فالعواصم الثلاث مواقفها واضحة. بل ان المؤامرة من صنيعة القوى التي تتكل عليها المعارضة السورية سياسياً وعسكرياً وديبلوماسياً، والتي من دونها يستحيل تحقيق الانتصار وتصبح سوريا أمام حرب أهلية تدوم سنوات ولا يبقى بعدها أثر لسوريا الحالية.

والضربة التي تلقّاها "الائتلاف"، في مؤتمر الدول المانحة لللاجئين في الكويت، دفعت الخطيب إلى خيار لطالما رفضته مكوِّنات المعارضة، أي محاورة النظام وجهاً لوجه. فالخطيب لم يشترط حتى انتقاء وجوه مقبولة قريبة من النظام للتحاور باسمه، ولم يطالب بوجود طرف ضامن. وكل ما اشترطه هو انعقاد الحوار في القاهرة أو تونس أو إسطنبول، والإفراج عن المعتقلين، وتجديد جوازات السفر للسوريين الذين غادروا بلدهم.

المصادر المتابعة تتوقع الأسوأ، أي تشرذم المعارضة من باب الموقف من الحوار. فـ"المجلس الوطني"، الذي يشكّل "الإخوان المسلمون" نواته الأساسية، لن يوافق على الحوار، وهو بدأ التساجل مع الخطيب علناً. أما هيثم المنّاع رئيس "هيئة التنسيق الوطنية" فيبدو أكثر ليونة من الخطيب، إذ وافق على إقامة ندوات حوارية في جنيف، أو حتى في موسكو.

ضربة مزدوجة

وهكذا تبدو المعارضة أمام مفترق خطر. واستطاع الأسد أن يسدِّد كرة خطرة في مرماها تؤدي إلى نتيجتين:

– تشرذم المعارضة وازديادها ضعفاً، في لحظة حاجتها إلى دفعة الدعم التي تتيح لها الانتصار.

– إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فمبادرة الأسد التي أعلن الخطيب تجاوبه معها، ليست بعيدة عن الطرح الذي تقدّم به الموفد الدولي السابق كوفي أنان، وخلاصتها أن يرعى الأسد نفسه عملية التغيير.

وثمّة من يقرأ خطوة الأسد على أنها تكتيك لإرباك المعارضة وكسب الوقت والإيحاء بأنه يتجاوب مع المبادرات، فيما هو في الواقع يرفض أيّ آلية سياسية من شأنها الوصول إلى تغيير النظام.

لكن المعارضة، على إرباكها وضعفها وتباين منطلقاتها، ليست في وارد التراجع. فما حققته عسكرياً، واعترف به الأسد في خطابه، يؤهلها الصمود حتى إشعار آخر. فالمارد الذي انطلق من القمقم في سوريا تصعب إعادته إليه.

وهكذا، بين سلطة مرهقة ومعارضة مربكة، تستمر المواجهة. وقد تنعقد حوارات فرعية كتلك الجارية في جنيف، أو أساسية كتلك التي يمكن أن يخوض فيها الخطيب على رأس "الائتلاف". وقد يتنحّى الخطيب لفقدانه التغطية. ولكن، لا يبدو مصير أي حوار أفضل من مصير الحوارات التي شهدتها الحرب الأهلية اللبنانية بين الأعوام 1975 و1989، والتي لم تكن سوى محطات هدنة تتيح للأفرقاء تنظيم المرحلة التالية من القتال