بعد «الطائفية السياسية» المسيحيون تحت رحمة المستقبل – هيام القصيفي – الأخبار




هل تكون غلطة تيار المستقبل تجاه مسيحيي 14 آذار بألف؟ سؤال يدور في أروقة المسيحيين الذين يعيشون دهشة حقيقية من ردة فعل حليفهم السني على محاولتهم تأمين المناصفة




ما ان أثبتت القوات اللبنانية والكتائب جديتهما بالسير في المشروع الارثوذكسي حتى انكشف كثير من الاوراق المستورة داخل تحالف قوى 14 آذار، بما هو ابعد من الحملات الاعلامية التي ظنّها الطرفان المسيحيان وليدة لحظات عابرة، او تعبيراً عن رأي خاص لصحافيين محسوبين على المستقبل لا يمثل موقف الرئيس سعد الحريري.


اهمية ما اظهره المشروع الارثوذكسي، مسيحياً، انه حدّد، بوضوح، للأحزاب الاربعة (القوات والكتائب والتيار الوطني الحر والمردة) ومعها بكركي، ان ثمة طبقة من السياسيين والمهتمين بالشأن العام ترفض المشروع رفضاً قاطعاً نظراً الى افراطه في المذهبية، ولأنه يعيد لبنان ـــ وليس المسيحيين فحسب ـــ اعواماً الى الوراء.


لكن ان يكون ثمة رفض مسيحي للمشروع الارثوذكسي يعكس ممارسة ديموقراطية عريقة أمر، وان يقف المستقبل، الممتنع رغم الدعوات المتكررة له عن تقديم مشروع قانون للانتخابات، في وجه «الارثوذكسي» الى حد استخدامه تعابير تمس جوهر العلاقة بين مكوّنات 14 آذار والمسيحيين، أمر آخر.


حين عبّر قياديا المستقبل النائب احمد فتفت والنائب السابق مصطفى علوش عن رأيهما بالمشروع الارثوذكسي، كانا يعبّران ايضاً عن رأي شريحة من المسيحيين. لكن ما حصل في الحلقات الضيقة، وما وصل الى مسامع الطرفين المسيحيين المعنيين، أثار موجة من الاستياء، لم يبدّدها الحريري في حواراته الهاتفية ولقاءاته الاخيرة حين حاول استيعاب الوضع المسيحي المعارض بالتأكيد «أننا صف واحد وما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرّقنا». فالمشكلة ان التطمينات في واد والافعال في واد آخر، وان شرخاً حقيقياً وقع بين تيار الحريري والمسيحيين الذين يسيرون بالمشروع الارثوذكسي، الى حد بدأ معه هؤلاء المسيحيون يستعيدون شوائب العلاقة المشتركة التي بدأت منذ عام 2005، او حتى ما قبلها.


في الصالونات السياسية المسيحية اليوم اعادة فتح دفاتر ليست عتيقة تماماً، تبدأ من مراجعة مواقف الطرف الشيعي، ولا سيما الرئيس نبيه بري الذي كان عند كل ازمة مع البطريرك الماروني مارنصرالله بطرس صفير، يعيد المطالبة بالغاء الطائفية السياسية. كان مطلب بري يشكل دوماً سيفاً مصلتاً على المسيحيين حين كان النظام السوري في اوج سيطرته على لبنان.


والمفارقة التي يتوقف عندها المسيحيون، بمن فيهم معارضو «الارثوذكسي»، انه ما كادت نغمة الغاء الطائفية السياسية تنكفىء، ويقف بري والامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بوضوح الى جانب المسيحيين في اختيار المشروع الانسب لهم، حتى عادت نغمة انشاء مجلس الشيوخ من جانب النائب وليد جنبلاط والمستقبل، ومعه رفض قاطع للمشروع الذي اتفق عليه المسيحيون، من دون ان يقدم الطرفان اي تبرير منطقي يرضي المسيحيين، ومن دون أن يلاقيا القوات والكتائب في منتصف الطريق بتقديم ولو نسخة اولية من مشروع قانون انتخابي. فحتى يوم امس كان الطرفان المسيحيان يعيدان التأكيد لمحدثيهما: «قدموا الينا مشروعاً يؤمّن المناصفة والتمثيل المسيحي الحقيقي وينال نسبة التصويت اللازمة، ونحن حاضرون للسير به بدلا من الارثوذكسي».


لكن الجواب الوحيد الذي سمعه الطرفان هو استهجان لغزل القوات والكتائب بحزب الله، بعدما كثرت في اوساطهما مقارنة تصرف الحزب بأداء المستقبل مع حليفيه، وحملات اعلامية يقودها معروفون، وصولا الى التعليق الالكتروني لمدير مكتب الحريري، نادر الحريري، على موقف النائب جورج عدوان من كلام نصرالله.


ثمة من يقول، بين عقلاء المسيحيين، ان الشيعة لعبوا لعبة ذكية في تحييد انفسهم عن الظهور بمظهر المتحكم بادارة مقدّرات الحكم، لانهم يعرفون انه لن يكون بمقدورهم اخذ السلطة كاملة لوحدهم، فتراجعوا لصالح الوقوف الى جانب الشريك المسيحي. في حين ارتكب السنّة (المستقبل) خطأ قاتلاً حين شعروا ان السلطة تفلت من ايديهم، تماماً كما فعلوا حين خسروا الحكومة وخرج الحريري من السرايا الحكومية، فصوّبوا سهامهم نحو الشريك المسيحي.


تبعاً لذلك، لم يعد غريباً ان يسأل المسيحيون عن حقيقة موقف الحريري نفسه عندما كان يقف معهم في مواجهة الطرف الشيعي، حين لوّح نصرالله يوما بالكلام عن نسبة المسيحيين في لبنان، ليؤكد الحريري تمسكه بالمناصفة قولاً وفعلاً. وهم يستعيدون، في اطار ذلك، وقائع ما قاله الرئيس فؤاد السنيورة في الولايات المتحدة امام وفد اقتصادي، وما قاله الوزير السابق محمد شطح، رغم نفي الاثنين، عن ان احداً لم يوقف العدّ في لبنان. وهذا يعني بالدرجة الاولى تذكير المسيحيين انهم باتوا اقل عدداً من المسلمين، وتالياً لا يحق لهم اقرار قانون انتخاب على قياسهم ليعيدهم الى السلطة. وهي اللعبة نفسها التي قام بها جنبلاط حين دوّر زوايا المستقبل وحزب الله وبري لصياغة التحالف الرباعي عام 2005، والذي عدّه المسيحيون حينها تركيبة لمنع استعادة المسيحيين حضورهم في السلطة السياسية.


وليس مفاجئاً، ايضاً، ان يستعيد المسيحيون ما كانوا يسمعونه همساً عن أن قيادات الصف الثاني المحيطة بالحريري لطالما حاولت اقناعه بالتخلي عن الحلفاء المسيحيين وبناء تحالف مع الطرف الشيعي لانه التحالف الاثبت والاضمن لبنانياً واقليمياً. وكذلك الامر ان يعيد هؤلاء التذكير بأن الحريري تفرّد بالذهاب الى سوريا ايام طلبت منه السعودية ذلك، ونام في ضيافة الرئيس السوري بشار الاسد، وان جنبلاط دخل الى الحكومة من دون حلفائه. وتعود عجلة الذكريات الى الوراء، الى يوم استبعد المسيحيون في عهد حكومات الرئيس الحريري الاب من الادارة ومن الدولة ككل.
في لحظة واحدة، أطاح «المستقبل» بكل ما بنته صرخات ساحة الشهداء ومعمودية الدم التي جمعته ومسيحيي 14 آذار الذي يعبّرون اليوم عن دهشتهم عن ردة الفعل غير المسبوقة في الصالونات السياسية والاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من كلمات تستخدم ضد قيادات القوات والكتائب ونوابهما وقيادتهما.


ثمة أسئلة كثيرة في اوساط مسيحيي الأكثرية، تتعلق بالنظام وبالتركيبة التي قامت منذ عام 2005، وعن حق مسيحيي المعارضة في ابداء رأيهم، في قانون الانتخاب كحد ادنى، فكيف الحال اذا وصلت الامور الى مناقشة الصلاحيات وغيرها من الامور الدستورية.


ان تكون ثمة مقارنة بين ما يقوم به حزب الله والمستقبل، بات امراً مشروعاً في قاموس المعارضة التي لا يجمعها مع الحزب شيء، لا المحكمة الدولية ولا سلاح المقاومة. ولكن ثمة مقارنات موضوعية تتعدى اي احتمال لتسوية العلاقة وقيام تحالفات جدية بين القوات والكتائب وخصمهما الانتخابي، اي «التيار الوطني الحر». ثمة اسئلة كثيرة تبدأ بالتهديدات المسبقة عن التوزيعات الانتخابية من بيروت الى الشمال وزحلة والجبل، وصولا الى الحصة التي اخذها عون في الحكومة ووزارة السياحة او الشؤون الاجتماعية التي اعطيت للكتائب والقوات.


سيكون لنبش الماضي ارتدادات كثيرة، لن تحلها طبعا تأكيدات عقلاء المستقبل، من مسيحيين ومسلمين، بأن ما جمعته ذكرى 14 شباط لا يفرقه قانون انتخاب. كما لن تنفع في ذلك محاولات المستقبل نفي الخلافات بين الحلفاء المطالبين بالمناصفة الفعلية. فهل تكون غلطة المستقبل بألف؟