في الثورة السورية: احترام الاشخاص لا تقديسهم هو نهج الاسلام – عبد الغني محمد المصري

كان العرب في الجاهلية يرسلون اولادهم الى البادية كي تستقيم لغتهم وتقوى اجسامهم، والاهم كي يتعلموا عيش الحرية. لذلك نشأت عندهم قيمة احترام الكلمة، فازدهر الشعر وازهر البيان. ولذلك ايضا حاربوا الرسول الكريم على دعوة تقوم فقط على "لا اله الا الله، محمد رسول الله".




لم يكن هناك امر بقتال او صيام ونهي عن شرب الخمر او غيره. وقد كانت لديهم قيم اخلاقية عالية، لذا جاء عن النبي الكريم "انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق". انما فهموا معنى الكلمات وادركوا ان النطق بها سيزيل نظمهم الاجتماعية الطبقية، وقد يؤثر على مصالح عديد التنفذين في مجتمعهم، فهم يعرفون قيمة القرآن الكريم وتفرده كما جاء على لسان الوليد بن المغيرة في وصف القرآن الكريم عندما سئل عما سمع من القرآن الكريم فقال "سمعت منه كلامًا ليس من كلام الجن ولا من كلام الإنس، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لتلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وان أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه".، ومع ذلك لم يؤمن لان مضمون الكلمات هو الدعوة لحرية الرأي والمساواة بين الناس "يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان اكرمكم عند الله اتقاكم". وفي ذلك هدم للاسس الاجتماعية المتعارف عليها، ومصادر القوة لذوي الشأن في ذلك المجتمع.

ولذا ايضا، ولتأثير الكلمة لا الاشخاص في تحديد مساراتهم فقد رأينا ان خالد بن الوليد ابن الوليد بن المغيرة هو سيف الاسلام، وقائد جيشه رغم ان القرآن أنزل بأبيه آيات فيها تقريع به، وكذا رأينا المقاتل الشأس عكرمة بن ابي جهل، واذا به من اعظم الفرسان للدفاع عن الاسلام والدفاع عن حياض حرية الدعوة إليه.

لذا جاء في تعريف التقوى انها ما وقر في القلب وظهر على اللسان وصدقه العمل. فأساس الحكم هو التوافق بين اللسان والعمل، مع ذلك فالنية لا يعلمها الا الله، وكذا جاء في الحديث الصحيح ((إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأُتى به، فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتى به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار)).
وفي نفس السياق فعندما امر الرسول الكريم بموقع معركة بدر، لم يأخذ الصحابة كلماته كأمر لا محاورة فيه، فسأله احدهم "اهو الوحي ام الحرب والمكيدة والرأي" فأجابه رسولنا "بل الحرب المكيدة" فأشار الصحابي بجعل موقع المعركة في ظهر جيش المسلمين وكذلك كان.
ومنه عندما امر الرسول الكريم ووافقه ابو بكر بفك وثاق اسرى بدر مقابل تعليم عشرة من المسلمين، فخالفهم عمر وابدى رأيه بقتلهم.
ومنه عندما امر الرسول الكريم بالا يصلين العصر الا في بني قريظة، فمن من المسلمين من فهم من الامر ان الصلاة واجبة فقط في بني قريظة، ومنهم من فهمها انها للاستعجال للوصول الى بني قريظة، ولم يلم الرسول الكريم اي من الطرفين على فهمه، فحرية الرأي من اسس الاسلام، ومقتضيات بناء الدولة.

ومنه عندما اراد سيدنا عمر تحديد مهر المرأة كي لا يتغالى الناس بالمهور، فخالفته امرأة وهو على المنبر، واقر بخطئه وقال اصابت المرأة واخطأ عمر.
وهناك شواهد لا حصر لها في مجال ان نقد الاراء لا يعني عدم احترامهم. وان النقد وابداء الرأي هم من شيم الحرية والعدالة.
ومع اواخر الدولة العثمانية وعند ضعفها المتأخر، وتحكم يهود الدونمة في سياساتها، فقد انتشر الجهل والفقر لاكثر من مئة عام تبعه استعمار خبيث، ثم حكومات دكتاتورية تقدس الفرد وتعلي من شأنه، وترفع له الصور والكلمات المقدسة في كل الساحات مما أثمر قيما خاطئة واساليب تربية غير سليمة، وتقديس للاشخاص، لا احترام للمبادئ، فأصبح معيار المواطنة الصالحة حب القائد وتأليهه وابداء الاعجاب بفريد كلماته، وتسمية الابناء باسمه تبركا به، واذا صادف يوم ميلاد الولد ميلاد القائد فقد رضي الله عن الوالد والمولود.
ومنها اختلف معنى الاحترام في تربية الاهل لابنائهم فانتقل القائد الملهم من المجتمع الى البيت، فمن اراد محاورة والده في امر ما، فقد يتحول الى شخص عاص او مكثر من النقاش.
ثقافة مجتمعية هيمنت على امتنا في عهود تخلفها وتأخرها، بدأت الثورات بإزالتها، لكن هناك من لم تغسله الثورة بعد فما زالت بقايا التقديس واضحة في آرائه والاتباع الاعمى لمن يحب او يمثل عصبية مناطقية او غيرها.

الاسلام حض على الحوار، وعلى التبيان، وعلى ابداء الرأي ومخالفته، وحض على الشورى وهي مصدر تنوع الرأي وخلافه، كي تتبين جوانب الحقيقة لمقرر الحدث، فيرى كل جوانب الحقيقة من مستشاريه، وان لم يأخذ بها، لكنه علم المسالك والمجاهل لكل طريق.