الأميركيون والعسكر والإخوان وراء إنقسام مجتمعات الربيع العربي


منذ أن اندلعت الثورة من ميدان التحرير في 25 كانون الثاني (يناير) 2011، كانت جميع الأطياف السياسية المصرية منصهرة تمامًا، ولم يكن بإستطاعة أي شخص أن يتبين الهوية السياسية أو الهوية الدينية للمشاركين فيها. كانت الحناجر تهتف معًا في صوت واحد… "الشعب يريد إسقاط النظام".




بعد أقل من شهرين على تحقيق هدف الثورة الأول، إسقاط نظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك، عرف فيروس الإنقسام طريقه بين المصريين، مع أول معركة للإستفتاء على التعديلات الدستورية التي جرت في 19 آذار (مارس) 2011، فإنقسم المصريون بين إسلامي وليبرالي، واقتتلوا ليسقط قتلى، بسبب الصراع على السلطة، والتدخلات الأميركية، وفشل الإسلاميين الممسكين بالسلطة في إدارة الدولة.

إقصاء وتفرد

وفقًا للمهندس محمد سامي، رئيس حزب الكرامة، يتحمل التيار الإسلامي مسؤولية إنقسام المجتمع المصري، "فجماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي اتخذا كل الإجراءات منذ سقوط نظام مبارك والتي كرست الإنطباع القائل إنهم يسعون للسيطرة على الدولة بشكل كامل".

وأوضح سامي لـ"إيلاف" أن أخطر تلك الممارسات محاولات إقصاء الآخر السياسي أو الآخر الديني، والإستحواذ على الدولة، وإدارتها على طريقة الحزب الوطني المنحل، لافتًا إلى أن التيار الليبرالي تعامل مع تلك التصرفات في البداية على أنها نتيجة قلة الخبرة في إدارة الدولة، وبحسن نية، "لكن مع تكرارها، بات واضحًا وجود سوء النية، خصوصًا قرار الرئيس محمد مرسي بعودة مجلس الشعب المنحل بحكم من المحكمة الدستورية العليا، ثم القرار الأول لعزل النائب العام، ثم التراجع عنه، ثم القرار الثاني لعزل النائب العام، وإصدار إعلان دستوري يمنح قرارات الرئيس الحصانة، وكذلك يحصن الجمعية التأسيسية للدستور ومجلس الشورى، ثم حصار المحكمة الدستورية العليا، والإعتداء على المعتصمين أمام قصر الإتحادية من جانب ميليشيات الإخوان، ثم حصار مدينة الإنتاج الإعلامي وإرهاب الإعلاميين والصحافيين".

وأشار سامي إلى أن تلك الإجراءات والتصرفات تركت إنطباعًا لدى المواطن المصري، وليس القوى السياسية فقط، بأن الإخوان يسعون بقوة للتفرد بالقرار، ما ساهم في تعميق الإنقسام بين القوى والأطياف السياسية.

مرسي مسؤول

يقول سامي إن مرسي مطالب بالوفاء بإستحقاقات كثيرة لجماعة الإخوان المسلمين التي أوصلته إلى كرسي الرئاسة، وبالتالي يسعى إلى تمكينها من مفاصل الدولة، ومنها مجلس الشعب، الذي حاول إعادته الى العمل على الرغم من حله بحكم قضائي، ثم تحصين الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى، وتعيين وزراء ومحافظين من الجماعة، ما يعطي إنطباعًا بأنه ليس صاحب القرار، إنما القرار كله بيد المرشد.

وأشار سامي إلى وجود أسباب أخرى وراء محاولات الإنفراد بالسلطة، "منها خوف الإخوان من العودة إلى الماضي وصل الى درجة الفوبيا، لا سيما وأنهم تعرضوا للتضييق والإعتقال والمحاكمات العسكرية والتعذيب، وبدلًا من التعامل بعكس ما كان يمارس ضدهم، استنسخوا أساليب النظام البائد في الجانب السلطوي، بالإضافة إلى أنهم ينظرون إلى الدولة المصرية على أنها جزء من الخلافة الإسلامية، ويتجاهلون مبادئها، فمثلًا يرفض بعض غلاة التيار الإسلامي تحية العلم أو الوقوف للسلام الجمهوري، ويرفضون الدستور نفسه".

شبه فشلت

يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع، الأستاذ في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن الثورة المصرية شبه فشلت، لأن القوى الليبرالية قامت بها من دون أن تجني أي مكتسبات، "في حين لحقت قوى الإسلام السياسي بالثورة متأخرة، واستحوذت على كل شيء، بحجة أنها القوى الوحيدة المنظمة في المجتمع".

وأضاف ربيع لـ"إيلاف" أن غالبية المصريين أدركوا أنهم انتقلوا من بيروقراطية وتوريث وفساد حكم مبارك إلى دولة يديرها مكتب الإرشاد، من دون أن يتغيّر أي شيء في الأوضاع السلبية التي ثاروا ضدها، مشيرًا إلى أن الإنقسام زادت حدته بعد تولي مرسي الحكم، لأنه عاجز عن أن يصبح رئيسًا لكل المصريين.

ويتناول ربيع النموذج التونسي، فيقول ربيع إن الوضع في تونس يتشابه كثيرًا مع الوضع في مصر، موضحًا أن من يمسك بزمام السلطة هناك جماعة ترتبط بالإخوان في مصر، لكنها أكثر إنفتاحًا عن التيار الإسلامي المصري، في ما يخص التعامل مع الآخر وقبوله، بسبب فرنسة تونس لسنوات طويلة، وعيش قيادات التيار الإسلامي في فرنسا أيضًا.

كما لفت إلى أن الأوضاع في ليبيا لم تتضح بعد، ولكن لا يمكن تصنيفها في فريقين إسلامي وليبرالي، لا سيما أن هناك معالم أخرى، منها القبيلة والعشائرية والميليشيات المسلحة، فضلًا عن العرقيات المختلفة والأقاليم.

الأميركان عاوزين كده

تتحمل النخبة السياسية في مصر وتونس المسؤولية كاملة عن حالة الإنقسام في المجتمع وبين القوى السياسية. وقد قال الدكتور جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية جامعة حلوان، لـ"إيلاف" إن سوء أداء النخبة السياسية أحدث شرخًا كبيرًا في الجماعات السياسية، انتقلت آثاره إلى المجتمع.

وأوضح أن التيارات الإسلامية والليبرالية والمدنية كانت تتعايش على تماس نضالي في عهد الأنظمة السابقة، "والإستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 آذار (مارس) 2011 نقل هذه التيارات من الحالة الجامعة إلى الحالة المتفرقة، فإنقسمت القوى التي كانت تناضل ضد النظام وشاركت في الثورة إلى تيارات مختلفة ومتعارضة، هي التيار الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي، والتيار الليبرالي، إضافة إلى التيار المدني والثوري، بسبب الصراع على السلطة".

وألقى عودة بمسؤولية الإنشقاق على سوء إدارة العسكر للمرحلة الإنتقالية، والعمل على تعميق الإنقسام. قال: "عندما سألوا عن السبب في ذلك كان يقال لهم "الأميركان عاوزين كده"، مشيرًا إلى أنه لم يتم التأكد من صدق هذه الإدعاءات من مصدر موثوق به، سواء من أميركا أو المجلس العسكري نفسه.

إنشقاق المزيد

نبه عودة إلى أن الإنقسام بدأ في التيار السلفي، وبدأت الشروخ في الظهور في التيارات الليبرالية والعلمانية والثورية والإشتراكية، "فتلك المشاهد طبيعية في الثورات المدنية، التي ينتقل فيها المجتمع إلى حالات من الصراع الإجتماعي والسياسي، يضاعف منها تسارع وتيرة الأحداث بشكل كبير، مع تزايد الضغوط الخارجية التي تحاول ترويض الثورات لخدمة مصالحها، كما هو الحال من جانب أميركا، التي ضغطت على مرسي للتراجع عن تصريحات له ضد إسرائيل في العام 2010. بالإضافة إلى ضغوط الأزمات الإقتصادية المتلاحقة".

وتوقع عودة أن تشهد الحالة السورية إنقسامات أشد عنفًا، لأن سوريا تعاني من التفتت إذ قامت على عرقيات وقبليات متعددة، ولم تكن هناك دولة تضمها معًا في الماضي، ولفت إلى أن بوادر العنف ظهرت بالفعل في سوريا، وسوف تزداد حدة، مع إنهيار السلطة هناك، حيث تبدأ مرحلة جني الغنائم وتقسامها، والتحول إلى حالة الصراع على السلطة.