مؤشرات لعبة دولية عنوانها وقف الدعم عن المعارضة السورية! – صالح القلاب – الشرق الأوسط

أليس مثيرا لألف سؤال وسؤال أن يتوقف الدعم عن الجيش السوري الحر، الذي غدا منتشرا في سوريا كلها ويقاتل على كل الجبهات، بينما رفعت روسيا وإيران مستوى تدخلهما العسكري في الحرب الطاحنة المحتدمة الآن في كل المناطق السورية… فهل هناك لعبة دولية حقيقية وفعلية تقف وراء هذا كله وهي التي جعلت الأمم المتحدة توجه مساعداتها، البالغة 519 مليون دولار، إلى «المتضررين» السوريين من خلال الحكومة السورية الملطخة أيدي أعضائها بدماء الأبرياء من أبناء الشعب السوري، التي من المفترض أنها فقدت «شرعيتها»، هذا إذا كانت لديها بالأساس أي شرعية، بعد كل هذه المجازر التي ارتكبتها على مدى نحو عامين؟!

يعلن مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، أن بشار الأسد خط أحمر، بينما تضاعف إيران دعمها للنظام السوري بالأموال «الطائلة» وبالمتطوعين من حزب الله ومن بعض الميليشيات الطائفية العراقية، ومن «فيلق القدس» بقيادة قاسم سليماني الذي لم يغادر ساحات القتال منذ اندلاع الأحداث السورية المتلاحقة وحتى هذه اللحظة، وكل هذا بينما يواصل الإيرانيون تدخلهم في جنوب اليمن وفي مصر ويعلنون على لسان أحد كبار قادتهم العسكريين أن أمن الخليج أصبح في أيديهم.




في الاتجاه ذاته، يؤكد نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف: «ثبات الموقف الروسي المبدئي على ضرورة حل الأزمة السورية عبر الحوار ووفقا للمبادئ التي نص عليها بيان جنيف». والمعروف أن الروس عندما يتحدثون عن جنيف ومؤتمرها وبيانها، فإنهم يقصدون عدم المس بالرئيس السوري لا في المرحلة الانتقالية، التي لم يعد أحد يتحدث عنها حتى بمن في ذلك المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي، الذي يلاحظ أنه غاب عن مسرح الأزمة السورية غيابا كاملا منذ خطاب بشار الأسد الأخير، ولا بعدها، بل والتمسك، حتى الموت، بأن من حقه – أي الرئيس السوري – أن يبقى حتى نهاية ولايته الرئاسية الحالية، وأن من حقه أيضا، إن هو أراد، أن يترشح في الانتخابات المقبلة لولاية جديدة مدتها سبعة أعوام.

وإلى جانب هذا، فإن اللافت أن الروس كانوا قد أعلنوا قبل أيام، على لسان رئيس هيئة الأركان فاليري غيرا سيموف، عن مناورات بحرية ضخمة في البحر المتوسط، تشارك فيها نحو عشرين سفينة وعدد من الغواصات، وكانوا قد أعلنوا أيضا عن إرسال طائرات ركاب إلى مطار بيروت كبداية جسر جوي لنقل رعاياهم الموجودين في سوريا، وهذا يشير إلى أن كل هذا يتم في إطار الترتيبات التي يشارك فيها الإيرانيون أيضا لشن هجوم كاسح شامل لإلحاق الهزيمة بالجيش السوري الحر، الذي يشكو من توقف الدعم عنه، وبالمعارضة السورية التي باتت تعاني سوء أحوالها، نظرا لتوقف المساعدات عنها ولأن الأمم المتحدة لم تخجل من إرسال 519 مليون دولار إلى «المتضررين» السوريين عبر الحكومة السورية، التي من المفترض أنها غير شرعية.

وكذلك وإلى جانب هذا كله، فإن الملاحظ أن جيش النظام السوري، الذي من المؤكد أنه تلقى في الفترة الأخيرة أسلحة روسية حديثة ومتطورة، من بينها صواريخ تكتيكية متوسطة المدى وفعالة ومن بينها أيضا جيل جديد من القنابل العنقودية المحرمة دوليا – قد لجأ، وللمرة الأولى، منذ بداية المواجهات الشاملة مع الجيش السوري الحر، إلى القيام بهجوم معاكس طال كل جبهات القتال وتركز بشكل خاص في دمشق العاصمة وضواحيها وفي الجبهة الجنوبية؛ أي درعا والمدن والبلدات الحورانية التابعة لها، وتحقيق بعض المكاسب العسكرية على الأرض، التي يجب اعتبارها مكاسب فعلية رغم محدوديتها وعدم تأثيرها الحاسم على نتائج هذه المواجهات المحتدمة.

ومقابل هذا، فإن ما يبعث على الاستغراب أن الدعم العربي والدولي، على قلته، للجيش السوري الحر تحديدا، قد توقف، وغير معروف لماذا، في اللحظة الحاسمة، وبينما بات سقوط العاصمة دمشق مسألة أيام معدودات فقط، وبينما كادت تنتهي معارك السيطرة على المطارات الحربية، وأيضا بينما بدأت عمليات الانتهاء من معركة حماه والتوجه إلى مدينة اللاذقية والساحل السوري لقطع أي إمدادات لنظام بشار الأسد عبر موانئ هذا الساحل على البحر الأبيض المتوسط.

وبناء على هذا كله، فإنه لا بد من القول، وبكل صراحة، إن هناك أمورا غير مفهومة قد استجدت على واقع الأزمة السورية بينما أصبحت ساعات الحسم النهائي ورحيل بشار الأسد وانهيار نظامه قريبة، إذ بالإضافة إلى موقف اللاموقف الذي بقيت تتخذه الولايات المتحدة، فإن الملاحظ أن هناك انكفاء وتراجعا في مواقف دول الاتحاد الأوروبي، وأن فرنسا، تحديدا، غدت تتعامل مع المعارضة السورية كأنها اتحاد طلابي يستكثر على نفسه ويستكثر عليه مضيفوه استقباله على أراضيهم وإسماعه كلاما جميلا لا يغني ولا يسمن من جوع، وقد اعتاده النظام السوري وبات – حتى عندما يسمعه مجددا ومرة أخرى – لا يرف له جفن.

لم يعد يعرف ما الذي تريده الولايات المتحدة وما الذي تنتظره دول الاتحاد الأوروبي ومعها تركيا، التي «زهق» الشعب السوري من تأكيداتها أن نهاية بشار الأسد باتت قريبة، ثم إن هناك استغرابا لتوقف الدعم العربي المفاجئ، وخاصة عن الجيش السوري الحر بينما هو يخوض معارك الانتصار الأخيرة… ما الذي يجري وراء ستارة خشبة مسرح الأزمة السورية.. هل هناك مستجدات ستكشفها الأيام القريبة المقبلة أم أن كل ما في الأمر أن بعض «الداعمين» لهم موالهم الخاص، وأنهم لتركيزهم على فئة محددة من المعارضة السورية قد اضطروا الداعمين الآخرين إلى وقفة مراجعة للحسابات كلها كي لا يختلط الحابل بالنابل وكي لا يجدوا سوريا وقد أصبحت تغرق في مذابح الاقتتال الطائفي وعلى غرار ما يحدث الآن في العراق وفي أفغانستان؟!

لكن وحتى وإن تم العثور على أجوبة شافية لكل هذه الأسئلة والتساؤلات، فإنه لا يمكن إلا أن تبقى الشكوك، والكثير من الشكوك تحوم حول موقف الولايات المتحدة، ومواقف إن ليس كل دول الاتحاد الأوروبي.. فبعضها على الأقل، فهل هناك لعبة تلعب في الخفاء.. وهل هناك مؤامرة يجري حبكها لغرز خنجر مسموم في ظهر الثورة السورية بينما هي باتت على مسافة قصيرة من الانتصار الذي دفع ثمنه الشعب السوري كل هذه الأعداد الهائلة من الشهداء ومن النازحين والمهجرين والمفقودين والجرحى وكل هذا الدمار المروع، الذي لم تسلم منه ولا مدينة سورية واحدة، من بينها بل في مقدمتها العاصمة دمشق..؟!

إن كل شيء جائز، وإلا لماذا يتوقف الدعم عن الجيش السوري الحر على هذا النحو وبشكل مفاجئ وبينما معارك الخلاص النهائي محتدمة وباتت تقف على أبواب القصر الجمهوري (قصر الشعب).. وإلا لماذا أيضا يزداد الموقف الأميركي ميوعة وتراجعا بينما تشن روسيا ومعها إيران هذا الهجوم الكاسح، الذي لا بد من النظر إليه على أنه هجوم اللحظات الأخيرة؟!.

وحقيقة، إن هناك من يقول إن هدف توقف الدعم، وعلى هذا النحو المفاجئ وفي اللحظات الحاسمة، عن الجيش السوري الحر، هو ممارسة المزيد من الضغط على هذا الجيش وعلى المعارضة عموما كي تتخلى عن رفضها وتقبل بالحلول المقترحة المستندة إلى مقررات مؤتمر جنيف، وفقا للقراءة الروسية التي تريد مرحلة انتقالية برعاية الرئيس السوري نفسه، بل وأكثر من هذا بأن يبقى بشار الأسد حتى نهاية ولايته الحالية وأن يترشح لولاية جديدة في الانتخابات، التي من المفترض أن تتم بعد فترة من انتهاء المرحلة الانتقالية.

إن هذا ما هو متداول ويجري الحديث عنه الآن، وهذا يعني أنه على العرب الذين يتحملون مسؤولية الدفاع عن الأمة العربية أن يدركوا أن هذا الحل آنف الذكر يعني الانتصار المؤكد لإيران، التي بات «هلالها» يطوق المنطقة كلها، فنظام بشار الأسد هو قاعدتها المتقدمة، وصمود هذا النظام يعني أن عمامة الولي الفقيه السوداء سوف تفرد فوق هذه المنطقة.. كلها ومن دون استثناء حتى ولا دولة واحدة!!