الشباب يهوى النرجيلة .. رغم مساوئها


 




خاص – بيروت اوبزرفر

تحقيق – فاطمة حسن بلال*

 

النرجيلة عشق لأبناء الشعب اللبناني و لا سيما جيل الشباب. فقد أصبحت النرجيلة جزء من الغذاء اليومي و حاجة أساسية في كل منزل.اختراع ولد في الأماكن العامة و مد جذور غزوه حتى أصبح فردا كأفراد العائلة في كل بيت.هي واحدة من أدوات التسلية الاكثر شيوعا في عالمنا العربي فهي كالخبز اليومي أو كشقيقتها "السيجارة" حاضرة في حياتنا، تفرض على مجالسنا قرقرتها و جوّها الحالم. نرجيلة ينسب اليها الناس فعل التعويذة في طرد الهموم حتى قالوا :"انفخ عليها … تنجلي"، متغافلين عن ضرر تلحقه بالصحة . حاضرة في الصالونات و الشرفات و المقاهي و المطاعم و حتى الأرصفة ، و من تعلق بها حملها في سيارته و دخّن تنباكها في لحظات انتظار. و للحديث بهذا السياق، لفتت أذهاننا رواية رجل لبناني قد حمل النرجيلة في سيارته و وضع "كانون الفحم" داخل صندوقها رغم وجود أطفاله معه، و مضى سائقا دون إدراكه لأي ضرر قد يلحق به أو بأولاده. عند وقوفه، ما ان فتح الصندوق حتى هبت به شعالات الفحم الحارقة. هذا ما يسمى " التضحية من أجل نرجيلة".

" لون القهوة أسود لكنها بيضت وجوهنا..أما النرجيلة فما هي الا وجه أسود لدى شباب اليوم.." قالت أم علي سلطان التي تعاني من ادمان ابنها علي على النرجيلة. أما علي فردّ قائلا:"النرجيلة يجب أن تتوفر كل يوم فهي تريح البال و تغني عن الكثير من الأشياء، لذا احتاج لان أدخنها..فأتجاوز أربعة رؤوسا يوميا".

غير أن قسم كبير من الشباب و حتى بعض الاهل يعتقدون بأن هذه الخلطة التي تسمى "معسل النرجيلة" تحتوي على الفواكه و السكر أو العسل و بأنها غير مضرة بالصحة و لذلك نرى بعض الآباء يغضون الطرف عن تدخين أبنائهم للنرجيلة.أحد أسباب تعزيز هذه الفكرة الخاطئة هو اسم تبغ النرجيلة حيث يطلق على هذا التبغ اسم "معسل" هذا بالإضافة إلى الرائحة الذكية التي تفوح من هذه المادة, و ما هي إلا مكونات سامة.

يقول الدكتور عصام عباس،أخصائي قلب و شرايين:"النرجيلة تسبب ضرر فعلي على عمل الرئتين و القلب و تؤدي الى ارتفاع بضغط الدم و النبض و انخفاض نسبة الأكسجين بالدم"… مضيفا :" أن تدخين رأس نرجيلة واحد فيه كمية مساوية من النيكوتين لعشرة سجائر، و هذا أمر خطير…"

اما أصل النرجيلة فيعود الى شبه الجزيرة العربية و يقال انه من وسط الهند ثم انتقل استخدام النرجيلة الى شبه الجزيرة العربية لكنها انتشرت عالميا من خلال الدولة العثمانية.الطبيب حكيم عبد الفتح كان أول من اخترع النرجيلة خلال الفترة المغولية باعتقاده إنها وسيلة غير ضارة لتدخين الحشيشة. كما يمكن القول إن ظهور النرجيلة في وطننا العربي و قبله في تركيا و ايران كان بعد التعرف الى تبغ الهنود الحمر في القارة الاميركية و كان المشاركون في رحلة كريستوفر كولومبس الاستكشافية قد شاهدوا الهنود الحمر يدخنونه فنقلوه معهم في رحلة العودة أوروبا.في هذا السياق يتحدث قنصل فرنسا في لبنان هنري غيز في كتابه: "بيروت و لبنان منذ قرن و نصف القرن" الصادر عام 1972، عن مباحثات أجراها ابراهيم باشا في لبنان في جو من الرتابة حيث "أن تدخين الغليون يلعب دورا مهما في الاجتماعات الشرقية فاذا تعب المدخن من مج الدخان ينفخ في غليونه، أو تقطع غرغرة النرجيلة بين آونة و أخرى , سكينة تلك السهرات المملة". (جزء-2- ص: 128). غير أن تسمية النرجيلة على صلة بمرحلة من مراحل تطورها فهي بعد تفرغها من الجبق كانت جوزة هند مفرغة و "النارجيل" اسم لهذه الجوزة بالإيرانية. كما أن " النرجيلة-الشيشة" أداة يدخن بها التنباك و كانت قاعدتها في الاصل من جوز الهند ثم اتخذت من الزجاج أيضا. و تسمى النرجيلة "شيشة" في بلاد الخليج العربي و شمال افريقيا، "كليان" في ايران و "نركيلة" في العراق.

قصة شاب لبناني يدعى محمد جواد الحاج علي الكائن في قرية كفرمان و البالغ من العمر 23 سنة ، يعيل نفسه عبر " ديليفري النرجيلة "حيث يحتفظ بكل أنواع النرجيلة و معسلها في غرفة صغيرة و ما عليه الا أن يجيب هاتفه و يلبي الطلبات. "اخترت هذا العمل بسبب غلاء المعيشة و عدم اكتراث الدولة لتأمين سبل العيش الكريم لدى المواطن، فما كانت الا تلك الوظيفة أمامي مكسبا للرزق". و أضاف :" إن الرغبة الشديدة عند الناس لشرب النرجيلة أدى الى زيادة الطلب عليها لذلك ساعدني هذا العامل في تلبية حاجاتي المادية خصوصا في ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب و غياب فرص العمل". كما اعتبر أن النرجيلة مستقبلها زاهر لأنها أداة تسلية أساسية لدى مدخنيها و لا أظن أنها ستمر سهرات الليل الطويلة دون قرقرتها التي تخلق اللحظات الحميمة بينهم".

هوس يواجه قانونا جديدا انطلقنا منه لنسأل :" ماذا تعني لك النرجيلة..و ما رأيك بالقانون الجديد حول منع التدخين؟" فكانت آراء الشباب متشابهة.

"علي ضاهر 24 عاما يقول :" في العادة أدخن رأسي نرجيلة و أفضّل طعم التفاح. ذلك يشعرني براحة شديدة..قانون التدخين غير فعال و مهما بقي القانون فلن يتم تفعيله".

"سارة مدلج 19 عاما تقول :"عندما أكون في حالة ملل و حيرة ، وحدها النرجيلة هي الحل، رأسا نرجيلة بطعم التوت و القشطة كفيلتان بأن ترخيا أعصابي و أنسى كل ما حولي، اما القانون فهو شكلي ليس أكثر.

اما محمد سبيتي 27 عاما يقول :"أشرب النرجيلة وقت الملل ، فهي كما يقال "تغيير جو" ، أما القانون الجديد فهو كلام فارغ من أجل أن يقال أن هناك دولة تشرع القوانين و تسنها.."..

يلجأ المدخنون عادة الى النرجيلة عندما يتوقفون عن تدخين السجائر ظنا منهم أنها اخف ضررا من السجائر أنما رأي الأطباء مخالف لما يعتقدونه اذ ان نسبة ضررها تفوق ثلاثة اضعاف ضرر السجائر و لا يشجعون أيا منها.

الدكتور جميل عميص متخصص في علاج الرئة و الجهاز التنفسي يقول :" النرجيلة هي الطريق المؤدي الى الاصابة بأمراض سرطانية شتى مثل سرطان الرئتين و سرطان الشفتين،كما أنها تؤثر بشكل خطير على الاوعية الدموية". و أضاف:" المدخنين يستنشقون أول أكسيد الكربون و هو غاز سام يؤثر على عملية تزويد أجهزة الجسم المختلفة بالأكسجين و يؤثر سلبا على اللياقة البدنية .كما أن استنشاق تلك الغازات السامة يضرب الرئتين و يؤدي إلى تقاعس همتها"كما يحذر الخبراء النساء الحوامل من تدخين النرجيلة حيث تؤثر على نمو الاجنة بشكل سلبي.

رغم تعدد المشاكل و المساوئ ، يروي لنا جواد بدر الدين ""مالك متجر لبيع النرجيلة في النبطية " مسيرته التجارية مع النرجيلة."مسيرتي بدأت بالتعامل مع الوكلاء الحصريين من مصر و داخل بيروت, حيث يتم استيراد جميع أنواع النرجيلة كالنحاس الابيض و النحاس الاحمر و هو الأكثر طلبا،فيتراوح الطلب على النرجيلة من حيث نوعها،أولا مصري،سوري،ثم لبناني".

أضاف بدر الدين : " هناك النرجيلة العجمي و هي الاقل طلبا نظرا لغلاء سعرها,أما سعر النرجيلة العادية فيتراوح بين ثلاثمائة ألف ليرة و أربعين ألف لبنانية و هذا يعتمد على نوع النحاس فيها و النقشة و مدى العمل اليدوي فيها، وفي المطاعم ، طلب النرجيلة يتراوح سعرها بين خمسة الالف ليرة لبنانية ،ففي مطعم " التوتنغوا" ومطعم "دجاج وثوم " في النبطية تباع النرجيلة على مستويات متفاوتة من الاسعار. أما الفرق بين المعسل و التنباك فالمعسل مطبوخ مع نكهات الفواكه و المتعارف عليه التفاح و هو الأكثر تداولا أما التنباك فهو غير مطبوخ و يتمتع بنكهة صافية.

عند سؤالنا عن رأيه حول القانون الجديد لمنع التدخين فأجاب:" في لبنان قانون منع التدخين جيد من الناحية الصحية و لكن الوضع الاقتصادي في لبنان يعتمد على مقومات السياحة فاذا وجدنا مطعم دون نرجيلة لا يقصده الزبائن، لذا اصدار الرخص ضد التدخين ما هو الا وسيلة لزيادة الخزينة في الدولة ولا أظن ان الدولة تهتم لصحة شعبها".

بات من الواضح أهمية الصحة الجسدية و تأثيرها على جودة الحياة و انعكاساتها المهمة بشكل عام. فإذا ظلّ الإنسان تحت التأثير السلبي لماديات الحياة، لن يحظى بفرصة عيش أفضل في ظل صحة مستقرة.يقال "صحتك بايدك…" لذا الإرادة لدى الانسان هي المانع الوحيد الذي يحميه من وسائل تدمير الصحة كالنرجيلة.


طالبة كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية الدولية -لبنان