التباين السيادي وحده يستدعي حصة مسيحية – شارل جبّور – الجمهورية


لدى كل مرة يُثار فيها الموضوع الانتخابي من زاوية الشراكة والمساواة والتمثيل الصحيح، يخرج من ينصح المسيحيين بالعدول عن هذه المطالبات والاكتفاء بالحصة المسيحية المنتخبة مسيحياً تلافياً لدعوات من قبيل «إذا كان من العدالة أن تنتخب كل طائفة نوّابها، فإنّ من العدالة أيضاً ان تتمثل كل طائفة بعدد من النواب يراعي عدد ناخبيها».
لا بل أن المسائل لم تقف عند هذا الحد، فهناك أيضاً من يقول إن أي مطالبة بالمناصفة الفعلية ستواجه بالدعوة لاستبدالها بالمثالثة، وإن على المسيحيين أن يتمسكوا بالطائف الذي أعطاهم حصة أكبر من حجمهم، ويسلّموا بالمثالثة المقنعة على قاعدة مناصفة دفترية وثلث موزع على الكتل الإسلامية.

وإذا كان هذا الكلام معيباً وغير مقبول ويعبر عن نظرة طائفية ومذهبية ضيقة بعيدة كل البعد عن فلسفة انتفاضة الاستقلال، فإن الكلام المقابل الداعي إلى انتخاب المسيحيين لنوابهم يشكل نسخة طبق الأصل عما سبقه، بمعنى أن المنطقين مكمّلان لبعضهما البعض، أو بالأحرى هما نتاج منطق واحد، ولو قيل إن المنطق الثاني جاء نتيجة الأول أو بسببه.




وإذا كان ما تقدم معيباً، فلكون 14 آذار نقلت الاصطفاف والفرز في لبنان من طائفي إلى سياسي، وأصبح المعيار لتحديد الحليف من الخصم خطه السياسي، وليس انتماءه الطائفي والمذهبي، وهذا التطور في الحياة السياسية شكل خطوة نوعية في اتجاه إرساء نظام مستقر وحديث وطبيعي، ولو قُيِّد لهذه التجربة التطوير لكانت فاقت بعشرات المرات تجربة الثنائيات الدستورية والكتلوية والشهابية، كونها تأتي تجسيداً لرغبة شعبية، لا مجرد ممارسة سلطويّة فوقية…

والممارسة دلت أن المسيحي في 14 آذار هو مع المسلم في "المستقبل" ضد ابن طائفته المتموضع مع "حزب الله"، والعكس صحيح. وإذا كان الخيار بين مسيحي منتخب مسيحياً وميوله إيرانية، ومسيحي منتخب إسلامياً وميوله لبنانية، فالخيار محسوم للفئة الثانية.

ولكن كل ما تقدم لا ينفي وجود نقطة تستحق النقاش: هل زيادة التمثيل المسيحي هدفه محض سلطوي، أم يعبر عن مخاوف من ضغوط خارجية قد يتأثر فيها الشريك للمشاركة في حوار، على غرار ما حصل مؤخراً، أو في حكومة وحدة وطنية مستقبلاً، أو التطبيع مع "حزب الله" مواكبة لمفاوضات معينة، وبالتالي يسعى المكوّن المسيحي لمضاعفة فعاليته تعطيلاً لأي مسعى من هذا النوع؟

فلا يكفي أن يكون هناك ارتياح لنوايا الطرفين حيال نظرتهما المشتركة إلى لبنان وأولويته ونهائيته، إنما من المهم الاتفاق على أجندة سياسية واحدة تساهم في حشر الخصم بدلاً من "ترييحه" استجابة لنصيحة من هنا أو هناك، خصوصاً إذا كان ثمّة استحالة لرفض هذه النصائح.

ومن هذا المنطلق بالذات تصبح الحصة المسيحية الوازنة ضرورية، من جهة لعدم الانزلاق إلى تسويات تنعكس سلبا على المصلحة الوطنية، ومن جهة أخرى لإعطاء الشريك الذريعة لعدم التجاوب مع الضغوط إن وجدت.

ولكن ما يجب أن يقال أيضاً إنه لم يسجل في السنوات المنصرمة أي تباين جوهري-سيادي بين "المستقبل" ومسيحيي 14 آذار، وحتى الـ س. س. رأى فيها المكون المسيحي الـ14 آذاري، بشكل أو بآخر، فرصة وظيفتها تقطيع الوقت وتعطيل الاغتيالات وإرساء نوع من هدنة سياسية، في مقابل وجود ثقة تامة بأن الرئيس سعد الحريري لن يذهب بعيداً في هذه التسوية، والدليل أن الحريري تقصّد توجيه رسالة إلى الخارج قبل الداخل بأنه "لن يفرّقني عن حلفائي إلّا الموت"، في ظل الضغوط السورية لفك ارتباط الحريري بالدكتور سمير جعجع.

وحتى النائب وليد جنبلاط الذي خرج من 14 آذار لم يلزم كل تكتله السير في توجهاته، فعمد إلى فرط اللقاء الديموقراطي الذي آثرت مجموعة من نوابه الاستمرار في 14 آذار، فيما "البك" قرر العودة إلى جبهة "النضال الوطني".

وإلى ما يؤشر هذا الكلام؟ يؤشر إلى أن انعطافة جنبلاط لم تنعكس على المسيحيين الذين انتخبوا على رافعته، وأما "المستقبل" فلم يخرج أساساً عن ثوابت الانتفاضة ليصار إلى "امتحان" توجه المسيحيين المنتخبين من قبله.

ولكن هذا لا يعني بقاء الأمور على ما كانت عليه في 2009، بمعنى أن إقفال "المستقبل" لوائحه أمام أسماء قواتية وكتائبية خطأ، كما أن مطالبة الحزبين، افتراضاً، بمعظم الحصة المسيحية خطأ أيضاً، وبالتالي لا بد من تسوية موضوعية وضرورية على قاعدة "لا يموت الديب ولا يفنى الغنم" تنقذ 14 آذار من الموت المحتم…