هل يستعيد المفتي خطابات الـ2002؟ – غسان حجار – النهار

سارع أمس أحد رجال الدين المسلمين الشيخ محمد ابو القطع الى الاعتراض على الزواج المدني، فاعتبره "عقد سفاح لا نكاح، وهو عقد غير شرعي وانتهاك لأقدس علاقة وأطهر رباط يمكن أن يقوم بين رجل وإمرأة من خلال زواج شرعي يحتكم الى كتاب الله".


يذكرنا قول ابو القطع بموقف مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني في عهد الرئيس الياس الهراوي، عندما قطع زيارته الى الخارج وعاد على وجه السرعة ليبشرنا من المطار بأن "من يوافق على الزواج المدني يعتبر مرتداً عن دين الاسلام، لأن الزواج المدني يخالف القرآن الكريم والسنّة النبوية، ويناقض الدستور اللبناني نصاً وروحاً".





وسرعان ما انضم اليه في موقفه معظم رؤساء الطوائف الاسلامية والمسيحية. وحده المطران، آنذاك ، بشارة الراعي (البطريرك حالياً) أكد ان "الزواج المدني لا يتفق مع الزواج المسيحي الذي يرقى الى مستوى السرّ"، غير انه طالب بوجود زواج مدني للافراد غير المؤمنين والذين لا مرجعيات دينية لهم تجنباً للانفلات الاخلاقي.


ومن المتوقع ان تتكرر هجمة رجال الدين على الخطوة التي من شأنها ان تحيي حرية الافراد في معتقدهم وفي حياتهم، كأن الدين لا يؤمن بالحرية الفردية والجماعية، ولا يفسح في المجال أمامها، علماً ان الايمان يجب ان يكون اختيارياً لدى الناس، بعدما خلقهم الله احراراً ووهبهم عقلاً ليختاروا الطرق التي يشاؤون، على ان يتولى محاسبتهم – وفق الكتب السماوية – لاحقاً، فتكون الجنة او جهنم من نصيبهم. أما عملية الاجبار والاكراه فتناقض هذه الحرية، اذ يرد في القرآن ان "لا إكراه في الدين" وفي المسيحية ان الله خلقنا احراراً، وافتدانا على الصليب لكي ننعم بالحرية.


لكن التعاليم السماوية شيء، والواقع شيء آخر. فرجال الدين، على مختلف انتماءاتهم، يرون ان الدين إكراه وهو الزامي، ومن يخرج عنه يستحق الحرمان والرجم والقتل، وبالتالي فإن لا مجال لأي تشريع يقدس الحرية الفردية، بل على القوانين والدساتير ان تبقى خاضعة لمشيئة هؤلاء ولاراداتهم، وللمحافظة على امتيازاتهم في المحاكم الشرعية والروحية، الظالمة غالباً، والتي تحركها وفرة المال، فتحول دون حقوق الفقراء من المتقاضين، وتضرب بكل القيم الدينية، بما فيها من عدالة ومحبة ورحمة عرض الحائط، لتصبح مرتعاً للمتنفذين من أهل السياسة والمال.


هكذا تواجه كل دعوة الى تشريع عقد الزواج المدني في لبنان، بالقمع والتهديد والوعيد، ليسجل التاريخ ان رجال الدين، او معظمهم، يمنعون عن الناس الحرية، ويزجونهم في "سجن" شعاراته دينية، وواجهته ملمعة، اما حقيقته فغير ذلك تماماً.


أظن ان دعوة الرئيس ميشال سليمان الى قوننة العقد المدني استدعت من مفتي الجمهورية العودة الى أرشيف العام 2002، لينفض الغبار عن خطب الأمس.