ربيع الشعوب.. استراتيجية رؤوس ونعال




طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

لعل ذلك الربيع العربي لم يكن بحجم تطلعات شعوبه، ولعل ما حمله معه لم يكن على قدر طموحاتهم بالكامل، فتلك الحرية المنتظرة لازالت تقطر دما وإن أطاحت برؤؤس طغاة وأنظمة، لازالت الترسبات المؤجلة تنذر برياح سموم وأحداث مصيرية، وتطبع صورة السنة المقبلة بإطلالة كارثية وإن كانت التحصيل الحاصل لخاتمة عهود كرت سبحة انهيارها، ولعل ربيع لبنان وإن لم يكن الأسوأ إنما لازال ربيع وطن لم يتحرر، ربيع أشواك سامة وخطوات ناقصة مرتبكة، وسنة حافلة بالتطورات الداخلية المتسارعة على وقع ارتدادات إقليمية خطرة، تبدلات بركانية لاتنفك تتفاعل غليان أزمات وصراعات مستمرة، مثقلة بالتراكمات وما تبقى من فلول الوصاية على ساحتها، ومعها مرحلة قاتمة قد تتحول الى جولة عنف لا يمكن لأحد السيطرة عليها او إيقافها، مرحلة حددتها السلطة الحاكمة بالإجرام وليس بالسياسة.

سوف تطل السنة الجديدة والقديم على حاله، لم يحسم بالأمس وغده لازال مبهما، ليس لأن إرادة الشعوب مقصرة او جبانة، فما أنتجه ربيع الثورات لا يمكن إلا أن يذكره التاريخ في سجل انتصاراته، ولا يمكن لتلك الشجاعة التي داست ظلم عقود بنعالها إلا أن ترسم ملامح المستقبل، إنما الإستحقاقات الإنتقامية الداهمة التي أصابت بعض السلطة الوافدة من زمن القمع أنهكت أحلام الناس، أتعبتها بالهواجس وفرضت تبعاتها على يومياتهم، سرقت منهم فرحة لقاء الكرامة وإن باتت تشكل حالة استنهاضهم الوحيدة، اما سنة لبنان فلاشك أنها شبيهة بما حولها، غارقة في توجسات الأحداث، عابقة برائحة الموت والإغتيالات، وعلى وقع أمنها المغيب والإستقرار المصادر تكمل مشوار البحث عن سيادة غير منتقصة، سنة لبنان لن تختلف عن سابقاتها في زمن المواجهة ولن تتقاطع سوى معه.. لعله زمن استعادة الوطن.

رغم ما أصاب انتفاضات الشعوب في عقر ديارها إلا أنها صمدت، لم تتراجع ولم تتوقف، استمرت وإن على واقع حال جديد فرضته التغيرات، ووقع ارتكابات وتجاذبات فجرت هوة ما بين الإنجاز ومن يعتبر أنه حققه، في شكلها، تبدو محصلة الربيع وكأنها سباق استنزاف ما بين الوقت وحصار ما بعد الديموقراطية، اما في المضمون، فلاشك أنها سرعت في نهاية غير متوقعة لحقبة تاريخية طويلة من الديكتاتوريات الحاكمة، في المقابل وبالتساوي بين الشكل والمضمون، أظهرت محصلة الربيع ورغم هشاشتها أن إمكانية الثقة متوفرة وغير معدومة، وأن محاولات إعادة عقارب الساعة الى الوراء فاشلة ولن تمر مهما تكررت، هذا في البلدان التي أنجزت ربيعها او تكاد، اما حيث يجري نهر الدم، في وطن المجازر وحاكمه السفاح، فالطريق طويل وإن سقط نظام الطاغية غدا.. للثورة في سوريا حسابات أخرى.

في سوريا قد لا ينطبق حساب حقل الثورة على حساب بيدر الثوار، وما بين الحساب وتصفية الحساب قد تخلط أوراق وتتبدل أوجه فيخلق الله ما لا تعلمون، بعث الأسد استخدم الطائفة العلوية في حربه ضد الشعب السوري، منذ حافظ حتى بشار ولا يمكن التكهن بما بعد سقوط الأخير، عقود من التسلط لا يمكن محوها، سنوات من الظلم والقمع شراكة ما بين النظام والطائفة، مترسخة في الأذهان والقلوب، هذا لا يعني أن الثورة ولدت لتكون ثورة انتقام فقط، إنما لاشك أنها ستدخل متاهته في بدايات مرحلة الإنتصار ولن يكون من السهل ردعها، هناك رهان على وعي شعب الثورة، على توقه للحرية وعدم انجرافه خلف ما أورثه الأسد من أحقاد، قد يكون الرهان صحيحا إنما الإجرام فاق كل التوقعات والرهانات، دماء النساء والأطفال صبغت جدران المدن والقرى.. وربما ما خفي كان أعظم.

المخيف في سوريا ليس مشاركة الإسلاميين في الثورة، ولا إمكانية وصولهم الى السلطة في مرحلة ما بعد الأسد، المخيف نقمة الشعب السوري على شركاء النظام في مجازر لازالت ترتكب حتى الساعة، ومرحلة انتظار طال أمدها للتخلص ممن شاركوه لقمة عيشه فاغتصبوا حريته وكرامته، بشار الأسد أقحم طائفته وعسكره في مواجهة مع الناس البسطاء، قاتلهم وقتلهم، لم يعد عنوان المرحلة استعادة حق ولا اقتناص مطالب، حولها حرب نظام على شعب، صراع بقاء بين الإلغاء والوجود، لعلها سنة انتصار ربيع الشعوب بامتياز لكنها في سوريا لن تتوقف عند ياسمينه.. ربيع سوريا لن يستكمل انتصاره إلا حين تتساوى رؤوس الطغاة بنعال الأحرار.

اما لبنان فما بينه وبين ربيع العرب نهر دم سوري، وسلاح واغتيالات لازالت ترتكب، طاولة حوار تساوي القاتل بالقتيل وتطالبه بتبرئته وشرعنة وجوده وسلطته، ومشاريع قوانين انتخابات يراد من خلالها تكريس هيمنته وحكمه وسيطرته المطلقة، ما بين لبنان وربيع العرب نزيف من الشهداء فمتى يتوقف؟