لبنان وحكم الصغار في زمن التحولات الكبرى

 




طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

المشهد اللبناني مؤلم جدا ببساطته وتفاهته والزمن زمن إعصار، صغار يحكمون وطن والزمن زمن تحولات كبرى، لا رجال، مجرد أشباه وأقل، أقزام وأتباع وعبيد أنظمة، خصيان والزمن زمن مواقف وكرامات، فصيل من الرؤوس الفارغة ولا رؤوس، حفنة من المرتزقة تلتزم زمن المخاض العسير وهي ما صنعت إلا لتلتزم أوامر أسيادها، ثلة من المتخاذلين الجبناء والزمن زمن تحديات وشجاعة، مشهد لبنانهم مخذ، محبط، مريض والزمن زمن تغيرات وثورات، صغار يحكمونه والزمن زمن كبار لا يتنازلون عن وطن، وضعاء والزمن زمن عزة وشموخ

صغار ولا جذور والزمن زمن صلابة ورسوخ جبال، عصابات وزعران شوارع وزمن الحرية زمن نبل وشهامة، الزمن زمن رجال ولا رجال، صغار يحكمون وطن بالكيدية والتهميش والفساد، بالفقر والقهر والعوز، بالجهل والبؤس والخوف، صغار والزمن زمن مبادرة وجرأة وفروسية، لصوص شمال والزمن زمن إيمان وحق، زمن شركة حقيقية لا شراكة شعارات، زمن محبة من القلب لا محبة رياء وتكاذب، صغار وأكثر، جياع سلطة رضعوا الوصاية والزمن زمن سيادة، سكنوا الخضوع والهزائم والزمن زمن عنفوان وانتصارات

صغار تختزلهم معادلة نفاق وزمنهم زمن انبطاح، في لحظات مصيرية تحتاج الكبار والكبار وحدهم، لحظات إرادة حرة مفصلية لم يشهدها العالم منذ انهيار السلطنة، هؤلاء الصغار يتلهون في زمنهم المقعد، زمن انفصام وانفصال كامل وتفكك وانحلال، هؤلاء الصغار يسيرون بلبنان الى ما لا يمكن أن تحمد عقباه اذا تركوا على سجيتهم، دين ودولة ولا رجال وسأكررها مئات المرات، إنحراف تاريخي في زمن تاريخي، في لحظات تاريخية، ولن ينتظر التاريخ ولا لحظاته قراصنة وطن ليتقاسموا مغانمهم قبل الرحيل، صغار وزمن الصعاليك قد ولى

لازال أهل الطاعة يؤمنون بعودة الى الوراء، ولازال زمن التخلف يدغدغ مخيلاتهم وأحلامهم، يعتقدون أنها مجرد مرحلة عابرة والتحولات من حولهم مجرد كوابيس، مجرد محنة وسيخرجون منها ككل مرة دون حرج او خسائر تذكر، يبدو أنه يتعذر على هؤلاء الصغار قراءة ما يدور في فلك حلفائهم، ويبدو أن نعمة البصر قد غادرتهم بعد البصيرة التي ودعتهم منذ وجدوا، لا منطق ولا حجة، مجرد صراع مفلس على بقايا عفنة، جميعهم دون استثناء، الذين نشأوا نشأة العملاء، مارسوا ارتكابات العملاء وعاشوا حياة العملاء.. ضجيجهم الأجوف لم يعد ينفع

بيئة وهمية تدعي أنها محصنة، حاضنة لتراكمات سلبية أسقطت كل توازناتها، تحاول تجاهل ما حولها وتظن أنها معصومة، أغبياء صغار والإعصار كبير مدمر، يأملون أنهم سيحسنون التعامل معه فينصاع ويتجاوب، مطمئنون أنهم أصحاب السيطرة وأسياد الموقف، هذا الحراك الثوري الغير مسبوق ليس في قاموسهم، أنظمة تهاوت وأخرى على المشارف، وفي سلاحهم قوة وبعدهم الطوفان، حلفاء الولي الفقيه على خلاف مع الفقه، لم يدركوا بعد أن المشهد الذي يجتاح المنطقة لن يتوقف، وأن ما استعصى على الشعوب طيلة عقود يصنع اليوم مستقبل الأمم

مذهل هذا البعد الجديد لحركة الإنسان، فجراء تلك الفجوة العميقة التي خلقتها الأنظمة الشمولية بينه وبين الحياة الكريمة والكرامة، وما راكمته سنوات سلطتها القمعية من خيبات آمال، خرج الى انتفاضات متتالية وأصبح الشارع حاكما بأمره، يسقط طغاة ويستعيض عن إخفاقات ماضيه بانتزاع حقوقه من سالبيها، صغارنا في لبنان لم يستيقظوا على واقع الحال بعد، لازالوا يوزعون المهام وكأن هذا الإنكشاف السافر لم يحدث، تلك المؤامرة الكونية لن تمر، ستسقط حتما وستسقط معها الثورات، سوف تعود الأمور الى نصابها عاجلا ام آجلا وستنتصر الممانعة

غريب أمر أصحاب السلطة في لبنان، وكأنهم خارج الزمن، في مأمن من الإجتياح، يحاولون تجاوز الأحداث بالسير عكس مجرياتها، حكومة المستزلمين، تيار الجنرال المتقاعد وميليشيا السلاح، كافة الأبواق والأنصار وزمر الخدم، جميعهم فقدوا قدرة استيعاب التحولات وتبدل ملامح الديكتاتوريات الحاكمة، صغار لا يلاموا، ولا مكان للصغار حين تهب رياح التغيير، فضاءاتهم ضيقة وفضاء الرياح واسع لا تحده عقول الصغار، ولاشك أن الزمن القادم ليس زمن العقول المحدودة، عقول أصحاب سلطة صغار في لبنان كبير يواكب رياح التغيير

لازال الصغار يخوضون معركة الهزيمة وحرب التغيرات تكاد تنتهي، لازالوا يراهنون على تفجير ينقذهم واغتيال يسقط أخصامهم في الخوف، لازالت الإنتخابات تشغل مساحة واسعة على خارطتهم الصغيرة، ولازالوا يعتقدون أن الغد لهم وحدهم وأنهم ”الغالبون“، لم يدركوا بعد أنهم باتوا خارج المعادلة وإن ربحوا حلقاتها الأقوى، سبحان من أرضى الصغار في عقولهم، وسبحانه تركهم حكاما في زمن التحولات الكبرى