نجيب ميقاتي: غلاف الكارثة البرّاق – يوسف بزّي – المستقبل

في بلاد الإنجازات، وفي دول السعي نحو الأفضل، يسري ذاك التقليد السنوي لاختيار "شخصية العام" (رجل أو امرأة). ففي تلك المجتمعات حيث ثقافة المنافسة لما هو خير ومفيد تطبع عالم السياسة كما البيئة العلمية أو المجتمع الثقافي أو الحقل الاقتصادي.. فتكون الشهرة قائمة على حوافز المأثرة والإبداع والنجاح. وهذا ما يتيح لفكرة التقدم أن تهيمن، ولفكرة المصلحة العامة أن تتسيد، ولفكرة التطور أن تتحقق، ولفكرة الازدهار أن تتجسّد

ويصحب هذا الاحتفاء العام والعلني نظام قيم أو منظومة أخلاقية تترجم نفسها على الدوام في تبوؤ الأكثر كفاءة مقاليد القيادة، وفي تصدر الأفضل إبداعاً واجهة المجتمع. وهذا ما يصون تلك المجتمعات من فساد أحوالها ومن اختلال بنيانها




كل هذا حاوله اللبنانيون على مدار 15 عاماً (1990 2005) لإرساء حياة سياسية واقتصادية وثقافية "تركض" لاهثة نحو اكتمال نصاب الدولة والمجتمع، عملاً وإعماراً وتعليماً وتوظيفاً، وأخلاقاً وقانوناً وقيماً جديدة، كان السعي نحو الأفضل ونحو الإنجاز يكاد يكون الإرادة الغالبة على عمل اللبنانيين اليومي. بل بوسعنا الادعاء أن انتفاضة الاستقلال هي ذروة التعبير عن رغبة اللبنانيين بالقبض على المستقبل الأفضل. كانوا هم "شخصية العام" ٢٠٠٥

لكننا الآن، نحن عند خاتمة 2012. ومنذ ذاك الربيع المفعم بالوعود انقضت سبع سنوات، ذهب فيها لبنان مكبلاً بقوة السلاح وسياسات الفتنة، سنة بعد سنة، من السيئ إلى الأسوأ الى الأشد سوءاً، فيما ترتسم الكارثة في الأفق

هكذا خرجنا من نطاق المجتمعات التي تحصي إنجازاتها ونجاحاتها، لنعدد إخفاقاتنا وخيباتنا، وهكذا ما عادت المآثر حاضرة بقدر حضور المصائب والمخاطر

يمكن القول إن هناك فعلاً تأسيسياً لـ"الزمن الرديء"، أو هو "الحجر الأساس" لمرحلة الانحطاط التي نعيش وقائعها. يمكن تعيين "غزوة" 7 أيار 2008، بوصفها نكوصاً الى ما قبل العام 1990 وعودة للسلاح الميليشياوي الفئوي الطائفي كفاعل أول في السياسة، وبوصفها خروجاً على الدولة والمجتمع، وانقلاباً على النظام والإرادة العامة.. هي اللحظة التي ابتدأ منها مسار الانزلاق نحو الانحطاط المتفاقم

أفضى هذا كله الى أن يكون العام 2012 واحداً من أسوأ الاعوام التي عاشها اللبنانيون، وأكثرها استدعاء للخجل الوطني، ومدعاة للخوف والتشاؤم. هو العام السابع لمسلسل الاغتيالات ومحاولات الاغتيال، لكنه العام الأول الذي بات فيه القاتل علنياً متمتعاً بالحصانة. هو عام الصفر الاقتصادي ودونه. صفر يتضخم مبتلعاً أرقام الاقتصاد. هو عام إضافي من النذالات التلفزيونية المتفاقمة ابتذالاً للسياسة واللغة والأفكار. وهو عام الفتنة المتنقلة من مدينة الى مدينة والانفلات الأمني المتنقل على طول الخارطة اللبنانية، كما هو عام ازدهار عصابات الخطف وعشائر الخطف. هو عام ذروة جديدة من الفساد "المتأنق" بأيديولوجيا الطهارة، لابساً قبعة "الإصلاح". عام من تفاهة وابتذال عميمين ومكرسين بشعار "النأي بالنفس"

لذا، وتماشياً مع تقليد اختيار "شخصية العام" كان لزاماً علينا اتساقاً مع واقع حال عامنا الآفل، أن نبحث عن "أسوأ شخصية" لا "أفضل شخصية"، بوصفها الممثل الشرعي لسنة 2012، ورمزها المعبّر

يمكن بسهولة أن نجد وفرة من الأسماء والشخصيات التي منحت العام 2012 الكثير من السيئات، وسببت الكثير من أعمال الشر، وأسهمت في الكثير من أفعال الفساد، وتورطت في الكثير من أسباب الضعف والانحطاط

سيخطر ببالنا زعيم "حزب الله"، حسن نصرالله، كونه المحرّض والآمر والمخطط والمدبر في كل المجريات الكارثية التي توالت على لبنان منذ صيف العام 2006 مروراً بأيار 2008 وصولاً الى خطبه الحربية في عاشوراء. لكن، ورغم أنه أشبه بـ"الكابوس الأول" في السياسة اللبنانية، إلا أنه ليس رمزاً حصرياً أو استثنائياً للعام ٢٠١٢

يبرز ميشال سماحة بصفته "المجرم الأول" لهذا العام، فهذا الرجل الغليظ والعدواني، الذي يجسد كل ما يتصف به أتباع النظام السوري من وضاعة وخسة وميلاً أصيلاً نحو الإجرام والإرهاب، مثّل في فعلته الشنيعة، الموغلة في الشر، الجذر الأصلي لمفهوم السياسة في عقلية "الممانعة": القتل والكذب. مع ذلك، فإنّ سماحة لا يرقى الى سوية أسوأ شخصية للعام 2012، كونه ليس المسؤول الأول عما حلّ باللبنانيين من وهن ويأس وسوء حال، إنه علامة أكيدة على هذه الحقبة المظلمة

قد يظن البعض أن هذه السنة تميزت بتهافت السياسة وركاكتها، وببروز ظواهر تؤكد على هشاشة السلم الأهلي واستنفار العصبيات وانكفاء المجتمع المدني وتقهقر سلطة الدولة والقانون. فيجدون مثلاً في أحمد الأسير دلالة على هذه الوقائع وعلماً عليها ومثالاً ساطعاً على انتكاس الحياة السياسية وتدهورها، لكننا نرى أن الأسير أو وئام وهاب أو حتى ماهر المقداد "بطل الخطف"، هم شخصيات النتائج لا الأسباب، هم من عوارض الداء العام، الأشبه بالطفح الخارجي، وليسوا الورم بحد ذاته.

أعراض جانبية لا أكثر، حتى "الصهر المعجزة"، جبران باسيل، الذي أنهى هذه السنة بالمزيد من صغائر عنصريته، المعطوفة على فساد شغبه، ليس سوى ظل من ظلال هذه الحقبة المعتمة، وإن رشحه البعض ليكون أسوأ شخصية لهذا العام، كونه رجل اللاإنجاز الكهربائي

على هذا المنوال، تحفل حياتنا اللبنانية بالعديد من الشخصيات النماذج التي "أنعمت" علينا بالسنوات العجاف. إنما وبحثاً عن "الرجل الأول"، رجل العام بامتياز، لا بد من اختيار نجيب ميقاتي، رئيس الحكومة الحالي

بالتأكيد هو ليس مجرماً، وقد يسعنا القول من الصعب اتهامه بالفساد، ونجزم بأنه مهذب عموماً، وهو رجل مسالم، ويتمتع بخصال ديبلوماسية وباللباقة. سنجد فيه الكثير من الصفات الحميدة والجيدة. لكن، ورغم كل هذا هو بامتياز "أسوأ شخصية" لهذا العام. إنه الممثل "الشرعي" والرسمي، إنه "المسؤول" الأول في السلطة التنفيذية التي ترسم السياسات العامة وتتخذ القرارات. إنه يتحمّل وزر وتبعات أعمال حكومته وخياراتها، وما تنفذه من إجراءات

يجسد الرئيس ميقاتي، منذ لحظة قبوله دور "حصان طروادة" في انقلاب حلف 8 آذار، السمسار الذي يسوّق مبدأ "التعايش" بين الدولة والدويلة والتأقلم مع سلاح الأمر الواقع وتسويف أي اعتراض أو معارضة، مشرعناً الكارثة ومدبجاً التبريرات لتسليم رقبة البلد والعباد للسيّاف البطّاش، وبهذا المعنى، أرسى ميقاتي تقليداً سياسياً جديداً قوامه الحكم بالاستقالة، أي ممارسة السلطة مع التخلي الطوعي عن صلاحياتها ومنحها لـ"مرشد" الجمهورية، القوي المتغطرس الجبار، الذي لا يجوز إغضابه

يلعب الرئيس ميقاتي دور "ملاطفة" الوحش، وهو من أجل ذلك مستعد أن يهب أطفاله عشاءً للوحش، إن كان هذا ثمناً مناسباً لما يسميه "الأمان" و"راحة البال"

ليس "النأي بالنفس"، شعار الرئيس ميقاتي الأثير، مبدأً سيئاً بحد ذاته، لكن هذا الشعار إذ ينزاح عن معناه ويتحول إلى التهرب المستمر من أي مسؤولية، يصير مدخلاً واسعاً لترك البلاد بلا أي قرار وبلا أي قيادة فعلية، كربّان سفينة يقفل حجرة القيادة وينام أثناء عاصفة، متأملاً في غفوته أن تكون المنامات خالية من الأمواج العاتية. وتلك على الأرجح أسرع طريقة للذهاب الى ظلمة الأعماق

يمكن الظن أن "فلسفة" الرئيس ميقاتي تقوم على تجويف السياسة من أي موقف، إفراغها من أي خيار. تجميدها في صفر المعنى. بحيث أن القول أو الصمت سيّان، يخاطب الجميع بكل الكلمات من دون أن تحمل هذه الكلمات أي محتوى. "النأي بالنفس" بات نأياً عن مطلق سياسة

ترتّب على هذه "الفلسفة"، التي نجد أصولها في "البراغماتية" الإنهزامية لحكومة فيشي إبان الاحتلال النازي لفرنسا، استسلاماً مواظباً من قبل الدولة للمتسلطين عليها داخلياً وإقليمياً، وتقييداً عنيداً للبنانيين لغير إرادتهم، وتواطؤاً متمادياً في معايشة الإرهاب والاغتيال.. بل والترويج لـ"حسنات" مهادنة القاتل ومقاسمته السيادة والدولة والمصالح والمؤسسات والتخلي عن حق تقرير المصير أو الاعتراض

ونجم عن ظاهرة الميقايتة عودة سريعة الى أخلاقيات "ثقافة التابع"، التي أرستها الوصاية السورية وحوّلت رجال السياسة اللبنانيين الى "أزلام" متدافعين على أعتاب مكتب ضابط مخابرات دنيء ولئيم، وهذا ما يطعن بكل التضحيات والجهود التي بذلها اللبنانيون كي ينجزوا استقلالهم ويستعيدوا كراماتهم ويستردوا دولة تحكمهم بشرعية النظام الديموقراطي والخيار الحر

يحلو للرئيس ميقاتي أن يقول إنه لا 8 ولا 14، رافعاً "الحياد" عنواناً له، رغم علمه أن حياداً مثل هذا هو اغتراب بالدولة عن مسؤولية الدولة وعن طلاب الدولة وعن "واجب" الدولة. فيكون حياده البكاء على القتيل والنوم مع القاتل

هكذا وطّد نجيب ميقاتي الأرضية والفضاء العام لليأس واللامعنى واللاأمن واللااقتصاد واللاسياسة، تاركاً لبنان، بقرار رسمي، للسلاح اللاشرعي، للخطف، للشبيحة، لأشباه ميشال سماحة، لمسلحي الزواريب، لوزراء على شاكلة باسيل وصحناوي منصور… قرار رسمي بـ"تجميل" الخراب

يخيّل إلينا أن وظيفة ميقاتي، بمعناها الفعلي، هي جعل القنبلة مغلّفة بأبهى غلاف هدايا برّاق. إنها الخدعة الأسوأ، وهي الخدعة التي يحياها اللبنانيون في هذه الحقبة

"غلاف" ميقاتي المنمّق للكارثة، يجعله "شخصية العام" 2012 الأسوأ.