النأي بالنفس: محكمة للقتيل.. وحكومة للقاتل – جورج بكاسيني – المستقبل

لم يعرف اللبنانيون استقلالاً ناجزاً.. منذ الاستقلال

ظنّوا في العام 1943 انه صار لهم وطن مكتمل السيادة، قبل أن تنقضّ بعد ثلاثة عقود قوات الاحتلال الإسرائيلي على جزء من أراضيه، وتتسلّل قوات الوصاية السورية إلى ما تبقى منها




احتفل اللبنانيون بذكرى الاستقلال، على مدى ثلاثين عاماً، وجيشان يتقاسمان وطنهم.. إلى أن تحقّق الاستقلال الثاني مع انسحاب الجيش السوري في العام 2005 (بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي في العام 2000) قبل أن يكتشف اللبنانيون مرة جديدة ان استقلالهم الثاني لم يكتمل هو الآخر طالما أن "ملائكة" الوصاية بقيت حاضرة في حياتهم اليومية، والسياسية والرسمية، إلى أن عاد هؤلاء "الملائكة" إلى السلطة، وحدهم، يتحكمون بالبلاد والعباد، تماماً كما كانت الحال في أيام الوصاية العسكرية

معنى ذلك أن اللبنانيين لن يعرفوا استقلالاً ناجزاً طالما أن النظام السوري (المستمر منذ أربعين عاماً) قائم، وبالتالي قادر على استنباط أشكال مختلفة من الوصاية على لبنان، وإن صار خارج الحدود، تماماً كما كان الحال قبل دخول جيشه إلى لبنان. ذلك ان النظام الذي دشّن انتهاك السيادة اللبنانية عبر أذرعه الفلسطينية في النصف الأول من السبعينيات (بعد سنوات قليلة من توليه السلطة في سوريا)، واصل سياسة الانتهاك هذه، بداية، عبر تسلل جيشه إلى لبنان من بوابة قوات الردع العربية، وصولاً إلى تحوله جيش وصاية بالتمام والكمال، لينفرد بالسيطرة على القرار اللبناني

وهكذا فُرّغ الاستقلالان الأول والثاني من مضمونهما، ليصبح رهان جزء كبير من اللبنانيين مع حلول الربيع السوري معقوداً على سقوط النظام السوري الذي يساوي بالنسبة إليهم استقلالاً "ثالثاً وثابتاً"

هي المرة الأولى التي يشعر فيها اللبنانيون أنهم على عتبة استقلال ناجز… كما لو ان النظام الآيل إلى السقوط هو نظامهم، أو هم جزء منه يتطلعون إلى فصل بين المسارين (نقيض التلازم) يُتوّج باستقلال حقيقي مقرون بنظام ديموقراطي في سوريا شبيه بنظامهم، باعتبار أن أزمة لبنان المزمنة مع النظام السوري لم تكن بسبب من وصايته على اللبنانيين وحسب، وإنما أيضاً بسبب اختلاف طبيعة النظامين. فعلى امتداد ثلاثين عاماً ونيّف دأب النظام السوري على تحويل لبنان إلى نظام شبيه به، وقد نجح في ميادين كثيرة. اما اليوم فتنقلب الآية بحيث أصبحت الفرصة متاحة لكي يصبح النظام السوري شبيهاً بنظيره اللبناني وليس العكس

وبذلك يصبح لبنان على أبواب جمهورية ثالثة بمجرد سقوط هذا النظام الذي تمكّن من الاجهاز على الجمهوريتين الأولى والثانية، رغم وجود مؤثرات داخلية وخارجية أخرى لعبت أدواراً في هذا المضمار.
ذلك ان الجمهورية الأولى التي جسدّت الاستقلال الأول العام 1943 معطوفاً على اقرار دستور لبنان العام 1926 بعد إنشاء لبنان الكبير العام 1920، حقّقت الحدود الجغرافية للبنان التي جرى انتهاكها من قبل جيش الوصاية السورية من جهة، ومن قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي من جهة مقابلة

أما الجمهورية الثانية التي ولدت مع اتفاق الطائف العام 1989 فحقّقت هي الأخرى الحدود السياسية للبنان، مع إقرار اللبنانيين مجتمعين بلبنان "وطن نهائي لجميع أبنائه"، بعد أن كانت خارطة "لبنان الكبير" أصغر من طموحات غالبية المسلمين، واكبر من طموحات غالبية المسيحيين. لكن الحدود السياسية انتُهكت أيضاً مع هيمنة النظام السوري على القرار اللبناني بما في ذلك على تنفيذ دستور الطائف، مما فرّغ "الحدودين" الجغرافية والسياسية من معناهما، حتى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان إثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري، باعتبار ان دور النظام السوري في لبنان وإن تراجع إلا انه استطاع ان يحافظ على قدرة تعطيلية وتخريبية في آن منعت اللبنانيين من التنعّم باستقلالهم الثاني

وبهذا المعنى يمكن القول إن ما شهده اللبنانيون منذ العام 2005 وحتى اليوم، إنما كان عبارة عن مرحلة انتقالية في جمهورية انتقالية، لا يمكن أن تتوّج باستقلال حقيقي الا بسقوط النظام السوري القابض على أنفاس اللبنانيين، كما السوريين. وأن رحيل هذا النظام يمثّل الفرصة الحقيقية لا بل الطريق الأوحد لبناء جمهورية ثالثة تكرّس "الحدودَين" الجغرافية والسياسية للبنان

ذلك أن المعادلة التي حَكَمت اللبنانيين منذ العام 2005 وحتى اليوم، المفروضة من النظام السوري وحليفه "حزب الله"، رست على مرحلتين أوصلتا البلاد إلى أفق مسدود: الأولى فوز قوى 14 آذار في الدورتين الانتخابيتين 2005 و2009 ، فحسَمت الأكثرية لكنها لم تحكم، فيما حَكَمت قوى 8 آذار في 2010 (بواسطة أكثرية مزورة) ولم تحسم، أي انها لم تتمكن من إضفاء شرعية على هذه "الأكثرية"، بدليل عدم قدرتها على الحفاظ على الأكثرية في ملفين مهمين هما تمويل المحكمة الدولية وقانون الانتخاب. فوقع لبنان بين أكثريتين "وهمية" و"مزورة"، واحدة غير قادرة على الحكم، وثانية غير قادرة على الحسم. فيما ابتدعت حكومة نجيب ميقاتي نظرية غير مسبوقة تحت شعار "النأي بالنفس"، ظنّاً من رئيسها أنه بذلك يمنع الصِدام بين "الأكثريتين" المشار إليهما، فلا أحسَنَ النأي حيث يجب النأي، ولا أحسَنَ التدخّل حيث يجب التدخّل، فصار شعاره رديفاً لمعادلة تجمع الشيء ونقيضه على طريقة: تمويل محكمة للقتيل.. وتشكيل حكومة للقاتل.
فكيف يمكن أن تستقيم حياة ديموقراطية ودستورية في وطن نصفه موالٍ لنظام آخر؟

الجواب بسيط: لن تستقيم العجلة الديموقراطية في لبنان قبل سقوط هذا النظام. والعقود السابقة خير برهان على ذلك، وكذلك المستقبل.