بين نداءَي بكركي وبعبدا للحوار – د. أنطوان أ. سعد – الجمهورية


إذا كان الكاردينال الجديد للبنان ليس كالكاردينال الذي سبقه، إذ لكلٍّ منهما أسلوبه ونظرته المختلفة الى القضايا والمعوقات السياسية اللبنانية (فنظرة الأوّل لإصلاح قانون الإنتخاب كانت من خلال الدوائر الصغرى، أمّا الثاني فلا يملك رأياً في هذا المجال لكنّه مدرك أنّ الخلل يكمن في قانون 1960)، ناهيك عن الأسلوب المختلف ربّما في إدارة الشؤون الكنسيّة ضمن التسليم بالمسار التاريخي الواحد للكنيسة المارونية.

وإذا كان فخامة الرئيس سليمان ليس كما سلفه منحازاً إلى ما اصطلـح على تسميته "المقاومة" و"الخط السوري"، بل ساعياً إلى الحفاظ على مؤسّسات الدولة ودستورها، مؤازراً القوى المسلّحة الشرعية والقضاء اللبناني، مشجّعاً على الحوار مطلقاً نداءً هنا وموقفاً هناك، وهو كما بكركي يرغبان في استمرار الحوار بين اللبنانيّين سبيلاً لضمان الإستقرار والحفاظ على الأمن، وسعياً الى حلّ بعض القضايا العالقة وفي طليعتها الإستراتيجية الدفاعية التي لم يفهمها محور "الضاحية ـ دمشق ـ طهران" إلّا إستراتيجية للمماطلة والهروب إلى الأمام من خلال التلطّي تحت شعار "الجيش والمقاومة والشعب".




هذا الشعار الذي لم تتمكّن المقاومات في العالم من إستنباطه، وقد طُرح يوم باتت صورة المقاومة متعارضة مع تلك التي نشأت عليها. أمّا مقارنة هذه الجماعة المسلّحة بالمقاومة في غزّة فهذا قمّة التضليل، لأنّ المقاومة في غزّة ليست رديفة أو موازية للقوى الشرعية، إذ إنّ من يقاوم في غزّة هي السلطات الرسمية عينها. فحركة "حماس" تتولّى زمام الحكم في غزّة وتتولّى مقاومة إسرائيل في الوقت عينه، وليس لديها إدارة سياسية منفصلة عن الجيش المنفصل بدوره عن المقاومة، بل كلّ هذه الأجهزة أو الأجنحة تتبع "حماس" وهي السلطة الوحيدة في غزّة.

كلّ ذلك ولم ينفكّ زعماء هذه الجماعة المسلّحة عن القول "أنظروا ماذا تفعل المقاومة في غزّة"!!! وهذا قمّة التضليل أيضاً، إذ يجب على السلطات الرسمية في لبنان أن ترشد هذه الجماعة المسلّحة إلى فعالية السلطات الشرعية في غزّة، التي تقاوم إسرائيل بما يجعل فعل المقاومة منوطاً بالسلطات الرسمية وليس فعلاً منفصلاً عنها، فالمقاومة في غزّة ليس لها ارتباط خارجيّ وماليّ وعسكريّ وأيدولوجيّ مستقل عن "حماس" التي تتولّى السلطات هناك، لكن التماثل قد يصحّ إذا فكّر "حزب الله" في لبنان أن يجمع هاتين الصفتين بحزبه (مقاومة وسلطات رسمية).

وبين هذه وتلك، لا تزال بكركي وبعبدا تنشدان الحوار الذي لم يُفضِِ إلى أيّ تقدّم منذ أن بدأت أولى جلساته عام 2006، حتى إنّ حوار الدوحة بات حبراً على ورق، لا بل إنّ الوحدة الوطنية باتت صورة فاقعة في ظلّ التناقضات اللبنانية. فلو تأكّد الجميع من أنّ الحوار، أقلّه سيمنع الاغتيال، لكان سبيلاً لا بدّ منه، وهو في الحقيقة خروج على الدستور والمؤسّسات، لأنّ الإطار الصحيح للحوار هو المجلس النيابي أو الحكومة، لكنّ بدعة الحوار في لبنان استُنبِطت لأنّ جماعة في لبنان تملك سلاحاً ويَخشى من يَخشى أن يصبح هذا السلاح لغة الحوار التي يعتمدها محور "الضاحية ـ دمشق ـ طهران" مثلما فعل عام 2008. لذلك يعتبر هذا المحور أنّه الجهة التي يجب أن تتكبّر على المتحاورين لئلّا تضطرّ إلى أن تحاور بطريقة أُخرى.

وفي خضمّ كلّ هذا تستمرّ "حكومة العجز الذي يسبق الموت"، أو حكومة تمثيل حزب الله في بلغاريا وفي فرنسا في تمييع المشكلات وتقزيمها، وهي التي استطاعت، تحايلاً هنا والتفافاً هناك أن تستمرّ، لأنّ المعارضة الحاليّة ربّما لم تعتدْ بعد على فعل المعارضة (باستثناء بعض الأشخاص فيها) إلّا في العناوين الكبيرة، من دون التمكّن من كشف الأخطاء اليومية للحكومة، فيما أنّ مجرّد قبول المعارضة بحكومة وُلدت كثمرة للسلاح واستمرّت تغطّي المطلوبين للعدالة الدولية، يعني أنّها تعايشت مع هذا الواقع. لذا نجدها لم تقنع من يجب أن تقنعه لكي تطيح بهذه الحكومة. فيما الوسطيّون في لبنان أعجز أيضاً من أن يرفضوا الجلوس مع حمَلة السلاح المطلوبين للعدالة الدولية منعاً لاستفزازهم، ولئلّا يترجموا غضبهم 7 أيّار جديداً قد لا ينحصر إطاره الجغرافي فقط في بيروت والجبل