معادلة التحالفات المربكة والرهان الأصعب في زمن الأقنعة

 


طوني أبو روحانا – بيروت اوبزرفر




أن تختار الريح وسط الإعصار فلا تستغرب اتهامك بالجنون، اما أن تختار الإعصار وترقص على نغمات ريحه، فلا تستغرب أن يهدر بعضهم دمك أقله في السياسة، قد يستعجلون محاكمتك حتى الرجم، لا تستغرب فبعض الغباء أشبه بالإنتحار إن لم يكن رديفه، ولا تحسدهم على ذاكرتهم الممسوحة، فللتاريخ ذاكرة أيضا، وهي التي تحاسب ما غاب قسرا او طوعا او صدفة عن ذاكرة مسحت معظمها بصيرة عمياء

جرأتك جذابة حين تستشهد دفاعا عنهم، ترفعك مناكبهم وحناجرهم وشعاراتهم، شموعهم تضاء في ذكراك ويفدونك بعصارة المهج إن فجرك اغتيال، الرهان الصعب أن تكون شهيدا اما الرهان الأصعب فشجاعتك في مواقف محقة تحرجهم

من عمق الدينونة تخرج طواويسهم، تستلهم شياطين الجحيم، تحيك على مقاسك المؤامرة تلو الأخرى، تصفك بأقذع التهم وتفبرك لك سقوطا عجيبا كان بالأمس القريب انتصارا تتشاركه معهم، وفي لحظة من علم الغيب تصبح خصما لدودا لا هدنة معه ولا اتفاق، هذا اذا لم تتحول العدو الأشد خطرا على أمن دولتهم واستقرارها، غريب أمرهم، وكأنهم لازالوا في حفرة من زمن الداهشية رغم جهلهم بإمكانات ”داهش“ لو تتجدد

تراك تعلم أيها ”الرفيق“ ومع شديد التحفظ على التسمية من اليوم فصاعدا ما الذي ينتظرك إن أنت تطورت؟ تراك تعلم ما الذي ينتظرك إن أنت خرجت الى رحاب أوسع من جمهورية رأسك المحشو انعزالا؟ حكما ستعلم وربما تتعلم

بطوباوية تكرر المآسي تعلن عليك الحرب، فجأة ودون سابق إنذار تجد نفسك مقابل خندق جديد، لم يكن متوقعا ولا في الحسبان، تراكمات الداهشية لازالت تتفاعل في غربتهم، تتفاوت في الزمن بين بعض يتمترس خلفها، وبعض آخر يركبها موجة شعبوية قد تستعيد من وجهة نظره أمجادا غابرة، تراك تعلم أيها الرفيق مع وقف التنفيذ ما الذي ينتظرك إن أنت تغيرت، إن أنت عبرت نحو الوطن؟

مكره، مجبر ام منتفض على مضض سيثور عليك الرفيق الآخر، وستعلم بعد فوات الأوان طبعا، أنك نذرت في قضية ووطن حيث تقدم النذور للزعيم، وأنك حيث سلفت في الصدق والوفاء لا يمكنك أن تتوقع سوى ديموقراطية الإنتهازية كلما دعت الحاجة، حكما ستعلم وربما تتعلم

الرهان الصعب أن تبدي رأيك، اما الرهان الأصعب فجرب أن تتخذ موقفا مختلفا وإن كان في النقاط والفواصل، جرب ولن تندم، لأنك حكما ستعلم ساعتئذ أن ما راهنت عليه حق إنما الباطل في هوية ملتبسة لدى ”الرفيق“، ومع وقف التنفيذ تصبح أنت خارج القضية، أي قضية ينبذك منها؟ هو لا يعلم، أنت لا تعلم، فالذاكرة المشتركة تحتفظ ببعض هوامشها وإن بهتت في المرحلة الفاصلة

ترسبات الماضي لم تتغير في بعض العقول المتحجرة، وهم تتغنى به وحيدا يسقط قناعه مع كل استحقاق، ورم لا يمكنك استئصاله مهما بلغت درجة خباثته فهو فيك ومنك .. هل نحن على مشارف الكي وهو خير دواء في الحالات المستعصية؟

وتبقى معادلة التحالفات المربكة الرهان الأصعب في زمن الأقنعة، مواجهة لابد منها وإن كانت ضمن الفريق الواحد، شروطها خطرة لكنها ضرورية، لا يمكنك تجاوزها حتى لو أردت ذلك، تفاصيلها تمس طبيعة العلاقة التي تربطك بالآخر القريب، بالآخر الرفيق والشقيق، خطأ لابل خطيئة مميتة إن أنت استمريت على تعاميك خوفا من شرخ ما في مكان ما، فأكبر شرخ يمكنك ترقبه صنيعة صمتك وانتظارك

لاشك أن الجانب المعتم من الأزمة هو في عدم التصارح الشديد اللهجة، السكوت خشية الطلاق وفعليا هذا السكوت هو المساهم الأكبر في إرسائه، أزمة لا حل لها إلا بالوصول الى قناعات مشتركة، دائمة غير مؤقتة ولا تستفيق خلافاتها كلما استفاق طرف على مصلحة

المنطقة تعاني ما تعانيه وتسير بخطى حثيثة نحو التغيير المطلق، لبنان كما من حوله في عين العاصفة دولة وشعبا ومؤسسات، وللأسف بعض الذين يعتبرون أنفسهم سياج الوطن عندما تداهمه الأخطار، يسقطون تباعا في تجارب الشخصانية كلما تزايد حجمها، يعودون الى التاريخ ودونهم ذاكرته الحية، يرفعون شعارات ضمها غبار القبور الى صدره مع طي صفحة الحرب .. ينتهكون سلام الشجعان

الى متى نتأسف على حال لا يتغير؟ الى متى تسحق شهوة التسلط إنجازات الأبطال تحت نعال الأنانية؟ إن كنت تعلم أيها ”الرفيق“ مع وقف التنفيذ أنبئنا بما نجهل، وإن كنت لا تعلم فحاول أن تستقي المعلومة من مصدرها، سوف تحتاجها لتعلم وتتعلم، رب ضارة نافعة إنما انتبه، قد تستمر الضارة وتفقد منفعتها بعد حين .. تعلم قبل أن ترسو على الضارة وحدها