جنيد لبيروت أوبزرفر: لن نكون شهود زور بعد الآن على من أوصلهم أهل طرابلس إلى المناصب


 




حاوره زياد علوش – بيروت أوبزرفر

 

خصّ الزميل الدكتور مصطفى جنيد، رئيس تحرير جريدة الأديب الأسبوعية التي تصدر في مدينة طرابلس، مقابلة لبيروت أوبزرفر جال فيها على مختلف الشؤون المحلية والإقليمية، وفيما يلي نص الحوار

 

تتكرر مراجعاتكم التنموية لمدينة طرابلس عند رؤساء الحكومات ما الذي تحقق؟ خاصة ان للمدينة حصة وزارية ونيابية وازنة

تعاني مدينة طرابلس، الموصوفة بأنها العاصمة الثانية للبنان، منذ عقود طويلة من الحرمان والإهمال المزمنين اللذين طاولا جميع المرافق والبنى التحتية، الأمر الذي ترك آثاراً ونتائج بالغة السلبية على أهلها، الذين باتوا في غالبيتهم الساحقة تحت الخط الأدنى للفقر

ولقد أخذنا على عاتقنا، وبحكم موقعنا الإعلامي، مسؤولية التنبيه والتحذير من مغبة استمرار هذه الحال، وقمنا مع العديد من رجالات المجتمع المدني الطرابلسي بسلسلة مراجعات مع المسؤولين المعنيين، لكن مع الأسف، لم نصل الى نتيجة ايجابية ترفع عن طرابلس هذا الإهمال وذاك الحرمان، وتعيد إليها حقوقها، التي هي ليست منّة من أحد

ومع تشكيل هذه الحكومة، التي لطرابلس فيها حصة وازنة، تفاءلنا بحذر!! وأكثر من مرة استمعنا الى برامج وخطط، لكن شيئاً ما لم يتحقق بعد على أرض الواقع، الأمر الذي وسّع من دائرة القلق والغضب الشعبيين، وأثار العديد من الأسئلة والتساؤلات حول معنى ان تبقى عاصمة الشمال في آخر اهتمامات الدولة اللبنانية التي تنأى بنفسها عن أبسط الواجبات تجاه هذه المدينة التي لم تقصر يوماً في واجباتها

في مرات سابقة، اجتمع نواب المدينة، على اختلاف مشاربهم، وصاغوا ميثاق شرف، لكن وبأسف نقول، أن كلام الليل سرعان ما يمحوه النهار، وانصرف النواب، كل الى مصالحه واغراضه وشؤونه الخاصة، غير عابىء بما يعانيه شعب طرابلس الذي ما عاد قادراً على تحمل المزيد من الاعباء والاستهتار، الى درجة بتنا نلحظ انه عند اي اشكال، مهما كان صغيراً، تتطور الأمور الى ما لا يحمد عقباها، ما يؤشر حقيقة الى ما يعتمل في داخل النفوس، والله يستر من الأعظم

 

تؤكدون دائماً على دور الجيش اللبناني. هل هو مستهدف برأيكم؟ ولماذا؟

إن الجيش اللبناني، كما قوى الأمن الداخلي، مؤسستان بالغتا الأهمية في الحفاظ على الأمن والاستقرار. لكن البندقية وحدها لا تكفي، فلا بد من اجراءات تزيل اسباب التوتر الكامنة في الفقر المستشري، والاهمال المتمادي، وادارة الظهر غير المبررة من قبل الدولة

ان الجيش هو نحن. هم ابناؤنا واخوتنا ومصدر اعتزاز وفخر لنا، تماماً كما قوى الأمن. وإذا كنا نعوّل على دور ما للجيش، فليس في الشوارع والأزقة والساحات وبين ابناء المدينة الواحدة والحي الواحد والمنطقة الواحدة. فطبيعة الجيوش ليست للمهمات الداخلية. ومع ذلك، فنحن نشكر الجيش قيادة وعناصر على المجهود الذي يقومون به. ولا نعتقد أن أي انسان فيه ذرة شرف وكرامة يستهدف الجيش بفرية. هذا لا يعني أن أحداً لا يخطئ، الخطأ ممكن، فنحن وهم بشر. لكن للجيش مؤسساته ومرجعياته التي تتولى حصراً محاسبة المخطىء. ومن غير المقبول ان يتحول اي كان منا الى قاض، يتهم ويحاسب ويحاكم، فهذا معناه تعريض المؤسسة العسكرية الى شتى المخاطر، وتقويض معنويات عناصرها

 

اللواء أشرف ريفي اعتبر أن فرع المعلومات جنّب لبنان فتنة كبيرة بكشفه قضية سماحة. كيف تعلقون؟

ما لا شك فيه، أن شعبة المعلومات، قامت وعلى مدى سنوات بسلسلة انجازات بالغة الأهمية. إذ أثبتت جدارة وكفاءة عاليتين، ونزاهة واستقلالية متميزتين، وتمسك بالقوانين الى أبعد الحدود، بصرف النظر عن بعض الاتهامات التي تصدر من هنا ومن هناك، عن موتورين وحاقدين، هالهم أن ترتقي هذه المؤسسة الى هذه الدرجة والى هذا المستوى من الأداء الوطني الخالص للوطن والشعب

إن تاريخ شعبة المعلومات يثبت بالأدلة وبالبراهين الحسية القاطعة، تجردها عن الحسابات والمصالح والاهواء الشخصية. فمصلحة لبنان وشعب لبنان فوق اي مصلحة، ولذلك حققت هذه المؤسسة انجازات في كشف الشبكات الاسرائيلية والخلايا الارهابية، التي كان آخرها ما نسميه "قضية ميشال سماحة"

لا نعتقد، بل اننا نجزم، بأنه لو لم يتوافر لفرع المعلومات كامل الادلة والاثباتات على تورط سماحة، لما كان الفرع اقدم على ما اقدم عليه، فليس هنا من خصومة شخصية، وليس هناك من نيات مبيته تجاه أي أحد، مهما كان إنتماؤه السياسي أو الحزبي، لكن عندما تقترب المسألة من أمن الوطن والمواطنين يكون من واجب وحق شعبة المعلومات ان تتصرف والا تخطئ، وهذا لم ولن يحصل

 

كيف ترون إقرار الحكومة القانون الإنتخابي النسبي وسط جدل كبير؟

يجمع السياسيون، والأفرقاء عموماً على ان قانون الانتخاب هو المدخل الحقيقي للإصلاح

بعد مخاض طويل، أقرّت الحكومة مشروع قانون يعتمد النسبية على قاعدة تقسيم لبنان الى 13 دائرة، الأمر الذي اثار جملة اعتراضات لا شك انها في معظمها محقة، حيث بدا ان تقسيم الدوائر تعمد النيل من قوى وفئات سياسية لا سيما من قوى 14 آذار

ان لبنان بحاجة الى اصلاح سياسي واداري شامل، وهذا مطلب نسمعه منذ عشرات السنين. من إلغاء الطائفية السياسية، الى اعتماد النسبية، الى التنمية الشاملة. لكن على ما يبدو، فإن لبنان، لم يرق بعد الى مستوى الدولة التي تنصهر فيها كافة التناقضات ويكون فيها الولاء الوحيد للوطن، لا للطائفة، ولا للمذهب ولا للقبيلة او العشيرة

لا شك في أن مشروع القانون الذي اقرته الحكومة، يحتاج الى مراجعة جدية لنزع نقاط الضعف منه، والكره الآن في ملعب مجلس النواب الذي عليه أن يدرس هذا المشروع بدقة، ويعدل ما يجب أن يعدل، ويقر ما يجد أنه صالح

في مطلق الأحوال، ان قانون الانتخاب المعمول به حالياً، والموصوف بقانون الستين، هو من أسوأ القوانين التي مرت على لبنان، ومعه تعمقت كل السلبيات التي تحول دون التمثيل الحقيقي، ودون الارتقاء بلبنان الى مستوى الديمقراطية الحقة

 

هل ستبقى الحكومة الحالية للإشراف على الإنتخابات المقبلة خاصة ان الأمن اعتبر مبرر وجودها وهو مستباح الآن من الجميع اضافة الى الواقع الإقتصادي والإجتماعي المتفجر؟

يؤكد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وسائر مكونات الحكومة من القوى السياسية، على اختلاف مواقعها ومصالحها، ان الحكومة باقية، وانها ستتولى الاشراف على الانتخابات المقبلة. هذا مع العلم ان هناك قوى سياسية في المعارضة دعت الى تشكيل حكومة حيادية، غير منحازة، تتولى هي الاشراف على هذه الانتخابات، ذلك ان احداً لا يستطيع ان يتجاهل المخاوف من اجراء الانتخابات في ظل الأوضاع غير المستقرة، وعدم حسم امرة السلاح الموجود بين ايدي كثيرين، وفي طليعتهم "حزب الله". وهذا أمر لا يمكن تجاهله أو القفز من فوقه وكأنه غير موجود. وهنا نعول على طاولة الحوار، ونتمنى لها ان تحقق خطوة ايجابية في اتجاه امرة السلاح ومرجعيته في الدولة اللبنانية حصراً

 

كيف تقاربون دعوة رئيس الجمهورية لطاولة الحوار؟ واقتراح السيد حسن نصر الله التأسيسي؟

لاشك في أن اصرار رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على المضي في الحوار بين مختلف القوى السياسية اللبنانية، له ما يبرره. فالبديل عن الحوار هو الخصام، لكن الحوار من أجل الحوار يصبح مضيعة للوقت، وهذا ما لا نريده ولا نرغب فيه

أما بخصوص دعوة السيد نصرالله الى مؤتمر تأسيسي، فجديرة بالإهتمام، لكن عليه أن يوضح الغرض الحقيقي من هذه الدعوة، التي يكتنفها الكثير من الغموض وتثار من حولها الأسئلة والملاحظات والشكوك التي قد يكون من بينها نسف الثنائية التي يقوم عليها لبنان، وتحويلها الى "ثلاثية"، وهذا أمر لا يمكن ان يكون بغير رضا وطني عام وقبول وإلا نكون قد أخذنا البلد الى المجهول

 

هل تعتقدون ان التعقيدات التي استجدت على قضية المخطوفين اللبنانيين في سوريا بعد مبادرة الرئيس الحريري هي لقطع الطريق على تقارب داخلي محتمل؟

لقد أخذت قضية المخطوفين طابعاً دراماتيكياً دامياً وبالغ التعقيد، وهذا ما كنا نحذر منه ونحذر من المماطلة والتسويف في حلها

الرئيس سعد الحريري قام بواجبه الوطني والإنساني، لكن المثل يقول: "يد واحدة لا تصفق"، وكان المطلوب من قوى سياسية معينة، ومن الدولة اللبنانية التصرف بحكمة وشجاعة وحيوية، لحل هذه المشكلة الانسانية، التي تهم كل بيت لبناني، بصرف النظر عن الميول السياسية وغير السياسية

 

هل تعتبرون ما يحدث في صيدا وطرابلس وعكار وعرسال معارك غب الطلب ونوع متقدم من النأي الحكومي؟

لم يعد غريباً على اي احد، ان الوضع في لبنان، بات بالغ التعقيد. واللعب على اوتار الطائفية والمذهبية، والنفخ في كير الفتنة لم يعد خافياً على أحد، وفق خطط ممنهجة ومدروسة، لا يفيد منها سوى أعداء لبنان وشعب لبنان

ان ما حدث في صيدا، وطرابلس وعكار ومناطق اخرى، هو في جانب منه نتاج الوضع الاقليمي والعربي والداخلي المأزوم. ولا نستطيع ان نحكم على النيات. فلبنان ليس جزيرة نائية، معزولة عن محيطها الاقليمي. فما يحدث في سوريا مثلاً، لا بد وان يترك الكثير من التداعيات على الاوضاع الداخلية اللبنانية، فكيف وإذا كان افرقاء عديدون يراهنون على ما ستؤول اليه الاوضاع هناك، ليبنوا على الشيء مقتضاه

 

هناك من يعتقد أن التسوية الداخلية دونها قيام معادلات محلية واقليمية جديدة؟ ماذا لو طال الإنتظار؟

على الدوام، ومنذ قيام دولة لبنان الكبير، كان لبنان نتاج تسوية دولية – اقليمية. صاغت له نظامه السياسي القائم على الطائفية، والذي يستولد كل عقد أو عقدين من السنين حرباً اهلية يذهب ضحيتها عشرات، بل مئات آلاف المواطنين، ناهيك بالنزوح الجماعي وتشريد الآلاف والخسائر المادية والمعنوية التي لا تقدر

إن أي تسوية داخلية، كانت على الدوام نتاج وفاق دولي – اقليمي يتلقفها الافرقاء اللبنانيون، ويمشون بها. لكن المفارقة ان كل فريق سرعان ما يكتشف انه غبن في هذه التسوية، فتبدأ "الحرتقات"، ويتم تعطيل الدولة وشل مؤسساتها، على نحو ما حصل في الطائف، حيث يقر الجميع، ان البنود الاساسية من هذا الاتفاق لم تطبق بعد، الأمر الذي وضع لبنان أمام تعقيدات جديدة، فلا هو قادر على التقدم الى الامام، ولا هو قادر على تحمل نتائج العودة عن الاتفاق، هكذا يكون لبنان دخل حلقة المراوحة

 

لماذا تبدو (الأقليات) في موقع تعارض مع الربيع العربي وكيف تقاربون الملف السوري الحالي؟

إن عبارة "الأقليات" و"الأكثريات" تناقض تماماً مفهوم المواطنية، حيث يتساوى جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، فلا تكون اكثرية، كل كفاءتها أنها أكثرية عددية، هي الحاكم المحكم، ولا "اقلية" يشعر معها المواطن بأنه منبوذ ومن الدرجة الثانية، الأمر الذي يعرض المجتمع الى التفكك والانهيار عند أول إمتحان

المؤسف، أن ما يسمى بـ"الربيع العربي" لم تظهر منه الى الآن أزهار الربيع لنتبين الثمار. وقراءة دقيقة ومعمقة لما جرى في بعض الدول العربية تحت هذا المسمى لا يطمئن ولا يدع مجالاً للتفاؤل بإمكانية الانتقال من الديكتاتورية – العسكرية – المالية، الى الدولة الديمقراطية الحقة التي تساوي بين مواطنيها، الى اي دين أو عرق أو مذهب انتسبوا، في الحقوق، كل الحقوق، وفي الواجبات، كل الواجبات. فلا يبقى خطر على هذه الفئة لأن كل ذنبها أنها لا تنتمي الى طائفة أو مذهب أو عرف الأكثرية

ان المجتمعات التي تقوم على مبدأ "الأكثرية" و"الاقلية" مجتمعات لا ديمقراطية، بل لا انسانية. فالمعايير المعتمدة في التصنيف تخالف شرع الله في خلقه، كما تخالف كل الشرائع الانسانية

وما يحدث في سوريا، لا يخرج كثيراً عن هذه المعايير، وان كانت المسألة السورية أكثر تعقيداً، وابعد من أن تكون فقط مسألة "اقليات" و"اكثريات" وان كان اللعب على هذا الوتر دخل حلبة الصراع وبقوة

 

كيف توصفون واقع الإعلام الطرابلسي؟ وما هي الإضافة التي احدثتها ادوات الإتصال والتواصل على المهنة خاصة ما شاهدناه من إقصاء للوسائل الصحفية والأعلامية التقليدية في الربيع العربي؟

الإعلام الطرابلسي، أو الذي يصدر من طرابلس، اعلان مجاهد، بكل ما لهذه الكلمة من معنى. ويكفي أنه يصدر من غير العاصمة الأولى، بيروت، لندرك الصعوبات والمشقات التي يعانيها هذا الاعلام على الصعد كافة، من التحضير الى الانتاج الى الطباعة الى التوزيع الى التمويل بكافة ابوابه وبنوده

ومع ذلك، فقد قامت الصحافة الطرابلسية، بدور مهني ووطني عالي المستوى، نسبياً، واطلقت موجة واسعة من الوعي بين اوساط الطرابلسيين، الذي ما عادوا يطيقون سياسة كبت الأنفس والنأي بالذات عن الحياة العامة

وفي هذا، فلقد كان لـ"الأديب" دور متقدم جداً، يشهد له القريب والبعيد، الصديق وغير الصديق. وهي في طور البحث الجاد عن صيغة صدور وحلّة جديدتين، ونأمل أن نكون ارضينا طموحنا وضمائرنا وشعبنا الذي يتطلع الينا بكل ثقة

 

هل انت مرشح محتمل للانتخابات النيابية 2013؟

لا لست مرشحاً، ولن أكون مرشحاً، نحن دورنا بالغ الأهمية ونتطلع الى المرحلة المقبلة على نحو مغاير لما حصل في المرات السابقة، ولن نكون شهود زور على عودة من جربناهم أو أمثالهم، ولم يكونوا على قدر المسؤولية، وتخلوا عن ابسط واجباتهم تجاه المدينة التي اتت بهم، وتجاه الشعب الذي حملهم على الاكتاف، فلما وصلوا، اداروا ظهورهم ولم يأبهوا لحقوق ومشاعر ومصالح الطرابلسيين وكأن الناس مجرد سلم أو عبّارة توصل هؤلاء الى حيث يريدون، حتى إذا وصلوا غسلوا اياديهم من كل التزام وعهد وميثاق شرف