في ظل الأزمة السورية..المالكي يوازن علاقات بلاده بين واشنطن وطهران


ربما يكون قرار العراق بتفتيش الطائرات الإيرانية المتجهة إلى سوريا خطوة تسترضي الولايات المتحدة لكنها تظهر أيضا كيف أن الأزمة السورية دفعت رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للسعي لتحقيق توازن أكثر تعقيدا من أي وقت مضى بين حليفيه الرئيسيين.




وعندما واجه تمردا برلمانيا في العام الجاري استطاع المالكي التعويل على طهران للتأثير على زملائه من السياسيين الشيعة لحل الأزمة التي سرعان ما شهدت اصطفافا للعراقيين خلف رئيس الوزراء الشيعي من جديد.

ولكن بعد أن شكت الولايات المتحدة علنا من أن إيران تستخدم المجال الجوي العراقي لنقل الأسلحة والرجال لمساعدة الرئيس السوري بشار الأسد في قتاله ضد المعارضين المدعومين من الغرب أبلغت الحكومة العراقية واشنطن بعزمها إجراء عمليات تفتيش عشوائية للطائرات الإيرانية.

وبعد تسعة أعوام من إطاحة القوات الأمريكية بالرئيس الراحل صدام حسين وعقب تسعة أشهر من انسحابها من البلاد يعتمد المالكي اعتمادا كبيرا على طهران عدو واشنطن. فرئيس الوزراء العراقي يستعين بإيران للحصول على الدعم السياسي في الداخل والتأييد في منطقة يغلب عليها السنة ولا تضم سوى عدد قليل من أصدقائه.

لكنه ما زال يحتاج إلى الأمريكيين أيضا للحصول على المساعدات العسكرية ويحتاج إليهم أيضا في ظل مساعي العراق لجذب الاستثمارات في القطاع النفطي الذي تسعى بغداد حثيثا لإعادة بنائه.

ومع احتدام الحرب الأهلية في سوريا وإذكاء مواجهات تاريخية في الشرق الأوسط بين السنة والشيعة يحاول المالكي إفساح المجال لتحقيق مصالح العراق الى جانب مصالحه الشخصية.

وقال وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري لرويترز مؤخرا في معرض توضيحه لسياسة بلاده تجاه سوريا إن بغداد تحاول اتخاذ موقف مستقل يستند إلى مصالحها الوطنية.

وأضاف أن العراق يحاول أن يكون له موقف مختلف عن غيره وأن الاختيارات ليست بالضرورة إما أبيض أو أسود.

ويقول العراق إنه يتبنى سياسة عدم التدخل في سوريا لكنها تظل سياسة قريبة من موقف طهران التي ترفض تأييد مطالب الغرب والجامعة العربية بالإطاحة بالأسد الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية.

ويرى المالكي – الذي وجد في سوريا وإيران ملاذا له عندما كان ناشطا إسلاميا شيعيا هاربا من صدام حسين – أن هزيمة الأسد التي تضع دمشق في قبضة السنة يمكن أن تعزز التهديد الذي يواجهه بالفعل من حركة تمرد سنية نسبت إليها مسؤولية الهجمات على غرار تلك التي أودت بحياة أكثر من 30 عراقيا يوم الأحد.

وقال المالكي إن العراق يرفض المحاولات الرامية إلى إسقاط النظام بالقوة لأن ذلك سيؤي إلى نشوب أزمة أوسع نطاقا في المنطقة.

ويقول دبلوماسيون ومسؤولون عراقيون إن هذا القلق على ما يبدو – وليس أي ضغط من إيران – هو الذي يحرك رئيس الوزراء العراقي.

وذكر دبلوماسي في المنطقة إن المالكي يهتم في الأساس بمصلحته الشخصية.

وأضاف "ربما كانت العلاقات مع إيران جزءا من ذلك. ولكن لا أعتقد أن مصلحة إيران ستغلب على المصالح المحلية للمالكي."

ويدرك المالكي بلا شك فوائد الحفاظ على العلاقات مع إيران. فقد ساعدته طهران على الاحتفاظ برئاسة الوزراء لفترة ثانية في عام 2010 بإقناع الأحزاب الشيعية المختلفة بحشد قواها والتفوق على السنة والأكراد والجماعات المستقلة.

في الوقت نفسه تضاءل نفوذ واشنطن على زعيم كانت تعتبره ذات يوم أكثر حرصا على المصالح الأمريكية من مرشحين شيعة آخرين حتى قبل انسحاب قواتها من البلاد. وقال المالكي الذي يدرك الحساسيات الوطنية إن العراق لا يمكنه دعم بقاء قوة أمريكية صغيرة من خلال تمديد الحصانة القانونية للقوات الأمريكية.

غير أن واشنطن ما زالت تتمتع بثقل يمكنها من الضغط على المالكي كما أظهرت الخطوة الاسترضائية الخاصة بتفتيش الطائرات الإيرانية المتجهة إلى سوريا.

وقال البرلماني العراقي الشيعي أمير الكناني إن المالكي لن يخاطر بعلاقته مع الولايات المتحدة لكنه سيبعث رسالة مفادها أنه يجب على الأمريكيين مساندته للبقاء في السلطة.

وأضاف أن ذلك ليس له أي علاقة بالدين سواء بالنسبة للمالكي أو إيران ولكنه أمر يتعلق بالمصالح.

وسمحت واشنطن ببيع أسلحة للعراق بقيمة ملياري دولار في عام 2012 وحده بما في ذلك عملية شراء لدبابات أمريكية الصنع تمت مؤخرا. ومن المقرر أن تتسلم بغداد قريبا أكثر من 30 طائرة من طراز اف-16 والتي ستكون الركيزة الأساسية لسلاحها الجوي الجديد.

ولا يزال ضباط من الجيش الأمريكي مشاركون في برامج تدريبية يعملون خارج السفارة الأمريكية في بغداد.

وفي ظل الحملة الانتخابية التي يخوضها الرئيس الأمريكي باراك أوباما للفوز بفترة رئاسية جديدة اقترح البعض في الولايات المتحدة تكثيف الضغط على العراق للابتعاد عن إيران.

غير أن القلق يساور دبلوماسيين أمريكيين إزاء ممارسة الضغط الذي قد يأتي بنتيجة عكسية على المالكي. ورفضت وزارة الخارجية الأمريكية الدعوة للتهديد بإلغاء المساعدات للعراق ما لم تعترض بغداد الطائرات الإيرانية المتجهة إلى سوريا.

وقال ستيفن بيدل الأستاذ بجامعة جورج واشنطن "المالكي لديه مجموعة من الأسباب المختلفة التي تجعله يريد بقاء الأسد في السلطة. حقيقة أن إيران تتبنى نفس الخيار من شأنه أن يساهم في تقوية العلاقات."

وأضاف "ذلك لا يعني أن المالكي سيتجاهل الأولويات الأمريكية… إنه يريد المساعدة أينما يمكنه الحصول عليها والولايات المتحدة تستطيع توفير أسلحة من نوع وجودة لا يقدر عليهما الإيرانيون."

وتظل الأزمة السورية وكيفية تطور الصراع الطائفي المتفاقم هناك تمثلان علامة استفهام كبيرة بشأن طريقة إدارة المالكي للعلاقات مع واشنطن وطهران في المستقبل.

وعلاقة المالكي مع الأسد معقدة بالفعل.

ففي ذروة التمرد السني في العراق انتقد قادة شيعة عراقيون دمشق للسماح لمتشددين أجانب بينهم مقاتلون من تنظيم القاعدة بالتسلل عير حدودهم الصحراوية. ووجد أعضاء في حزب البعث الذي كان يتزعمه صدام حسين ملاذا لهم في سوريا.

ولكن المالكي أقام علاقة عملية أكثر مع دمشق سيما مع تزايد التوقعات بسقوط سوريا أمام انتفاضة سنية قوية يمكن أن تشعل الوضع في العراق من جديد.

ويتوقف تعامل المالكي مع سوريا الآن على احتمالات سقوط نظام الأسد وكيفية حدوث ذلك. ويمكن أن تتنفس بغداد الصعداء في حال تعزيز التدخل الغربي والعربي في سوريا والذي يمكن أن يقود إلى تنحي الأسد وتسليم السلطة لحكومة سورية موسعة.

غير أن انهيار النظام بشكل فوضوي وصعود نظام سني معاد إلى سدة الحكم ربما يدفع المالكي إلى التقرب من إيران وقد تزيد طهران بدورها من تركيزها على بغداد في حال خسرت دمشق.

وقال كينيث بولاك من مركز سابان لسياسات الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكنجز في واشنطن "أعتقد أن الإيرانيين سينزعجون للغاية من انهيار سوريا وفقدان حليفهم وسيضاعفون جهودهم في العراق."

وأضاف قائلا "من المحتمل أن يصعب كلا الأمرين على المالكي اتباع نهج مستقل