طرابلس المتفجِّرة: “اعترافات” رئيس الحكومة – جهاد الزين – النهار


أتيحت لي بعد ظهر أول من أمس الأحد فرصة حوار بنّاء مع رئيس الوزراء نجيب ميقاتي وبحضور مستشاره خلدون الشريف في منزله الجديد في الطبقة 26 من مبنى يفتح النظر بلا حواجز على بحر بيروت في منطقة الزيتونة (باي) أو في المنطقة التي لا تحب شركة "سوليدير" أن نسمّيها بأحد أسمائها العريقة: (فندق) السان جورج.

من الطبيعي أن تكون مواضيع اللقاء مع رئيس الوزراء العابر بين وعلى بَيْضِ البلد الهش الممسوك خارجياً لا داخلياً عديدة كالوضع المصري والمستقبل السوري واحتمالاته… وهو العائد من مؤتمر مكة وقراره بتعليق عضوية سوريا الذي لم يخرج عنه لبنان (ولا الجزائر ولا السودان "صديقَا" النظام السوري المفتَرَضَان).

لكن الرجلَ مسكونٌ بِ… طرابلس. أعجَبَهُ التشبيه الذي استخدمتُهُ من أن طرابلس "التي التحقت بسوريا" تشبه في سلوكها المستمر خلال الثورة السورية رجلاً أخفى طويلاً عشقه لإمرأة جميلة وعندما بدأت تتعرّى أمامه… انكشف غرامُه الحقيقي و "هجم" عليها. كل الملفات حتى الإقليمية والدولية التي يفتحها مع زائره وأينما انطلقت… من واشنطن أو مكة أو القاهرة أو بغداد، سرعان ما يجد لها رابطا ما مع طرابلس. ليس فقط لأن طرابلس مسرحُ صراع خارجي "طويل" ولن تستقر بسهولة، إنما أساسا لانه مشغول بكل تفاصيل طرابلس وتشعر أنه مقتنع أن تجربته في الحكم سيحددها نجاحُه أو فشلُه هناك.

سألته بصراحة: لماذا، دولةً الرئيس، لم يشهد عهدُك بعد في رئاسة الوزارة أي صدمة إقتصادية إنمائية كبيرة في طرابلس و مناطق الشمال المُسْلم؟ وأردفتُ: أنا لا أقصد قطعا الأعمال الخيرية التي تقوم بها من مساعدات للكثير من العائلات الفقيرة في المدينة وخارجها، وإنما أسأل عن المشروع الاقتصادي الكبير الذي يخلق آلاف الوظائف وأنت أصلا رجل أعمال يدير مصالح من آلاف الموظفين؟

قال ودون تردد: "أنا أعترف أني تأخرت في إيجاد "لمعة" اقتصادية إنمائية كبيرة لطرابلس ومحيطها ولكني لا زلت أعتقد أن هناك قطاعين يمكن أن يساهما في ذلك بشكلٍ أساسي هما التلفون والكهرباء. وكنتُ معنياً خلال تشكيل الحكومة ورغم طول المدة التي استغرقها هذا التشكيل أن أضمن مصير هذين القطاعين كما أنني أعتقد أن بالإمكان إيجاد حلول سريعة-عكس الشائع- لملف الكهرباء. يمكن أن نزيد الكسب من الهاتف بمئات الملايين من الدولارات لننفقه على الكهرباء التي تكلفنا بدورها مئات الملايين".

ماذا عن مشروع مطار القليعات الذي هو الأهم إنمائيا من عكار الى طرابلس بل من ساحل الشمال الى مرتفعاته الشرقية إلى الهرمل ومحيطها في البقاع بما يفيد عددا من الأقضية المسلمة والمسيحية ويتخطى الانقسام السني الشيعي؟

قال بسرعة: عندها يجب إرفاقه بمشروع أوتوستراد من ساحل الشمال الى البقاع الشمالي. وأضاف: أنا التزمتُ في البيان الوزاري بإحياء مطار القليعات.ومع أني أعتقد أن تأهيله على يد شركات أجنبية من الناحية الفنية لن يحتاج إلى أكثر من خمسين إلى ستين مليون دولار، فإن الوضع الأمني المستجد في سوريا وبسبب قربه من الحدود معها مع حاجة الطائرات المحلِّقة بالضرورة في الأجواء السورية الى إذن سوري يجعلان الأمر صعبا جدا في الوقت الراهن. ولكن ربما يمكن البدء باستخدامه جزئيا للشحن و"التشارتر".

فيما كنا جالسين يتلقى رئيس الوزراء هاتفا يبلغه أن الجيش صادر مخزنين للأسلحة في "الزاهرية" فانفرجت أساريره وعلّق: مصدر تفاؤلي هذه المرة أنني لمستُ شعور الفرقاء السياسيين الأساسيين في طرابلس بحاجتهم إلى التهدئة لأن الأمور بدأت تخرج فعلا عن نطاقهم. وأخبرَنا رئيسُ الوزراء أن هناك تقديرات لدى بعض العارفين بالوضع الطرابلسي – لكن دون إحصاءات- أن حجم السلفيين في المدينة قد ارتفع من 3 بالماية إلى 8 بالماية. قلت له: علّمتنا تجارب الحروب الأهلية أن حجم واحدٍ بالماية يمكن أن يفرض جوا حربيا بكامله على أي مدينة. أجاب: أنا لا أضع المسؤولية على جهة واحدة في الإشتباكات ولكني أتحدث عن الجو السني تحديدا. فقد شعرت هذه المرة أن قوى أساسية بدأت تخشى جديا من فقدان سيطرتها على الموقف. قلتُ له عندها أن أحد النبهاء المعنيين أخبرني أن بعض السياسيين وبسبب خوفه من المد السلفي "جلس كالتلاميذ في الإجتماعات الأخيرة" فابتسم ولم يعلِّق تاركا إياي أتحمل وحدي مسؤولية هذا الوصف.

لم تكن هذه الجلسة مع رئيس الوزراء محصورة بالمواضيع الطرابلسية ولكني أرغب أن يكون مقالي عنها محصورا بالمدينة الفيحاء التي شاءت "طبيعة" الحرب الأهلية الجديدة أن تجعلها مع أريافها المسلمة (وجزئيا البقاع الشمالي) النقطة الساخنة الوحيدة فيما المناطق الأخرى تنخرط في الحرب الباردة.

هناك ملاحظة لا بد منها: لم أخرج من هذه الجلسة بانطباع أن نجيب ميقاتي يتصرف كأن حكومته ستسقط قريبا او كأنه هو الذي لن يكون رئيس حكومة في المدى القريب. حتى لو أنه ينتقد الذين باتوا لا يقبلون أحدا غيرهم في رئاسة الحكومة "مع ان الطبيعي أن يذهب المنصب ويأتي ".
في النهاية لولا النظام الطائفي لكانت حاجة الشمال السني و البقاع الشيعي الفقيرين إلى الوحدة الاقتصادية الاجتماعية ضرورة إنمائية لا غنى عنها . لكن ما العمل مع الخرافات القاتلة!