“حزب الله” وفريقه بعثا برسائل متعدّدة: تغيير قواعد اللعبة أمر مكلف… فلا تجرّبوننا – ابراهيم بيرم – النهار


الذين رصدوا بدقة مشهد طاولة الحوار الوطني، التي انعقدت أخيراً في قصر بيت الدين، لم تفتهم ابعاد مقاطعة رئيس مجلس النواب نبيه بري لها وما انطوى عليه في الوقت نفسه حضور ممثل "حزب الله".


فالرئيس بري ما اعتاد الإقدام على هذا السلوك تجاه طاولة يعتبر نفسه بحق منشئها ومؤسسها ومطلقها وينصب نفسه في الوقت عينه محرضاً أول على اعادة نصبها مجدداً قبل أشهر قليلة وذلك عندما استدعى ذات ظهيرة السفير السعودي متمنياً عليه صراحة ممارسة نفوذ بلاده على اطراف قوى 14 آذار، لكي تأتي الى هذه الطاولة.

وأكثر من ذلك فإن بري يصنف دوماً نفسه على اساس انه رجل المواقف الحوارية، والداعي دوماً الى عدم صرم أية حبال تواصل مع أحد وفي أصعب الظروف.

إذن، وفق مطلعين على مناخات بري واجواء قوى 8 آذار عموماً شاء رئيس المجلس أن يبعث برسالة قوية هذه المرة الى رئيس طاولة الحوار، لرئيس البلاد، وهو الذي كان لتوه تبلغ من قوى 14 آذار موافقتها على المشاركة بعد طول أخذ ورد وبعد عملية "اشتراط" منظمة ودقيقة، وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على ان تحفظ هذا الفريق على سلسلة مواقف وتصريحات مفاجئة ودراماتيكية اتخذها سيد قصر بعبدا، قد بلغ ذروته فكان الرد أولياً، وفق وجهة داخل قوى 8 آذار، ومضبوطاً وفق وجهة أخرى، وذلك من خلال مقاطعة بري وحضور ممثل الحزب في لعبة توزيع ادوار متقنة ولكنها ذات مغزى على كل السلوك والاداء السياسي لسليمان، وبالتحديد في الاشهر الثلاثة الاخيرة أو بمعنى أدق منذ جولته الخليجية الاخيرة والتي كانت الرياض في عدادها.

لم تكن المرة الاولى التي يبعث بري برسالة ذات مغزى الى سليمان، فالمياه عادت الى مجاريها بينهما قبل فترة قصيرة وبالتحديد عندما عاود بري زياراته الاسبوعية الى قصر بعبدا، بعد طول اعتكاف.

أما "حزب الله" فالمعلوم ان علاقته بالرئيس سليمان، احتاجت دوماً منه الى طول اناة وصبر، حتى تبقى قنوات الاتصال مستمرة، فكثيراً ما عاد "ضابط" الاتصال بينهما من قصر بعبدا وهو يكظم بعض الغيظ من جراء مواقف سمعها من سليمان انطوت على "قسوة" وعلى فرض واقع معين، يخير فيه سليمان هذا الضابط بين القبول به أو اتخاذ مواقف تكون على الضفة الاخرى.

ومع ذلك كانت التوجهات العليا من رأس هرمية الحزب فحواها عليكم مراعاة هذه العلاقة الى اقصى الحدود، وعدم ايصال الامور الى حد القطيعة أو التوتر.

كان ذلك ضمن استراتيجية معلومة للحزب تقوم على تهدئة اللعبة على المستوى الرسمي قوامها الحرص على الحكومة الحالية ورئيسها رغم ما يعتري سيرتها واداءها، والمحافظة على العلاقة مع الرئاسة الاولى مع تفهم طموحات سيدها ورغبته في ألا يكون نسخة طبق الاصل عن مدير ادارة الازمة وهو الدور الذي اتقنه الرئيس الياس سركيس، فضلاً عن رغبته بالتمايز وربما أكثر من ذلك، فذلك يبقى في حدود المقبول والمشروع ما دامت الامور لم تتخط حدود ما هو متآلف عليه ومتفق حوله منذ ان أتى سليمان من اليرزة الى قصر بعبدا عام 2008 في نطاق "صفقة" معروفة المعالم.

واقع الحال هذا بقي يجد قابلية عند فريق 8 آذار، الى الامس غير البعيد وبالتحديد منذ ان أقدم سليمان على ارسال مذكرة الاحتجاج الى دمشق وقبلها بقليل عندما بعث سليمان عبر القنوات غير المرئية بأنه مقتنع بتغيير الحكومة الحالية، وكانت ثالثة الاثافي من خلال الكلام الذي قاله سليمان في احتفال عيد الجيش ويتصل بموضوع المقاومة وسلاحها وإمرتها، وكلام آخر بعد وقت قصير مكمل لما اطلقه سابقاً.

وأخيراً وليس آخراً كان موقفه الاول الذي تضمن رداً على كلام لرئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجيه والثاني المتعلق بموضوع اعتقال الوزير والنائب السابق ميشال سماحة والذي أعلن فيه أنه ينتظر اتصالاً مباشراً من الرئيس السوري بشار الاسد بهذا الخصوص.

لم ينصب "حزب الله" يوماً نفسه محامياً عن النظام السوري ومدافعاً عنه في وجه كل من يناله في لبنان لكن الثابت أن مجموع مواقف سليمان الاخيرة بالنسبة الى الحزب تتعدى مسألة علاقته بقصر المهاجرين فذاك شأنه، لكنها تنطلق من اساس آخر، وهو ان سليمان شرع في اخذ تموضع سياسي آخر يندرج في سياق مشروع سياسي وليس مسألة تمايز وهامش مناورة، والمشروع الذي يتوجس منه الحزب وفريق 8 آذار عموماً كان لا بد من أن يأتي وقت يتم الرد عليه بشكل اولي، اي رد تذكيري لسبر الاغوار وبالتالي لتحديد آفاق المرحلة والبناء عليها، فهل يستدرج سليمان عروضاً ام انه اخذ موضعه بشكل راسخ ونهائي ام ان الامر كله من مقتضيات المرحلة ولوازم الحكم والدور؟

كان بامكان الحزب وفريقه السياسي أن يغضا الطرف عن كل هذا "التصعيد" المفاجئ في الخط البياني لأداء سليمان السياسي لولا ان ثمة تطورات ومستجدات عدة أملت على هذا الفريق توجيه الرسالة الاولى التي وجهها الى من يعنيه الامر والتي كانت ذروتها في الجلسة الاخيرة لطاولة الحوار التي يعول عليها سليمان ويعتبر استمرارها جزءاً اساسياً من عدة الشغل والادارة وتحقيق الطموحات.

وابرز هذه التطورات والمستجدات:

– ان سليمان شاء مقاربة قضايا يعدّها هذا الفريق ثوابت استراتيجية يخوض غمار المواجهات في سبيلها منذ اعوام وفي رأسها المقاومة وسلاحها والحفاظ على استقلالية امرتها.

– ان سليمان يمضي قدماً في مشروع طموح من شأنه ان يحقق قلب المعادلات او على الاقل التمهيد لذلك، وبالتالي التأسيس لمعادلة سياسية بمواصفات مختلفة.

– ان سليمان يعمل على اساس ان ثمة تحولات كبرى قائمة على اساس ان ثمة انظمة تذهب واخرى تستعد لتحل محلها وهي ان صحت تعني انه اختار التزام قواعد لعبة جديدة مغايرة وهو امر ليس بالبسيط العابر. بل هذا يعني اعتناق خيارات سياسية غير مضمونة والاتكاء على رهانات جديدة تماماً.

– ان ثمة من يرى في اوساط 8 آذار ان "رسالة" طاولة الحوار الاولية الى سليمان (اي مقاطعة بري وفرنجية لها) هي حلقة من حلقات هجوم مضاد شنّه هذا الفريق ردا على سلسلة ضربات قوية ورسائل شديدة اللهجة تلقاها في الآونة الاخيرة واظهرته في موقع المنكفئ وفي حالة الدفاع عن النفس، كما ابرزته الطرف الضعيف في المعادلة الداخلية اللبنانية، اذ بدا ان كفة خصومه في الداخل وفي المعادلة الاقليمية هي الراجحة لا سيما بعد قضية اعتقال الوزير والنائب السابق سماحة وما رافقها من ملابسات واكتنفها من "اسرار"، وقبلها رسالة المخطوفين اللبنانيين في سوريا فضلاً عن الرسالة الدائمة المتمثلة بالشيخ احمد الاسير.

– لم يعد خافياً انه خلال ساعات قليلة ظهر فريق 8 آذار وبالتحديد "حزب الله" في مظهر الممسك مجدداً بزمام المبادرة وهو البعيد كل البعد عن الواجهة وعدسات الكاميرات. وقد كان ذلك كله من خلال الحراك الذي قامت به عشيرة آل المقداد في الضاحية الجنوبية، وهو الحراك الذي استفاد منه الحزب وفريقه السياسي الى اقصى الحدود سواء كان الكلام عن انه هو من يقف وراءه دقيقا ام انه من نسج خيال الخصوم وانه في اطار تبريرهم لما حصل.

وفي كل الاحوال نجح فريق 8 آذار بدءا من الاسبوع الماضي في ان يبعث برسائل متعددة في وقت واحد وفي غير اتجاه فحواها ان تغيير قواعد اللعبة امر مكلف جداً فعليكم اعادة النظر او نمضي قدماً في المواجهة".