أين المصلحة العربية-اللبنانية في «قمّة عدم الإنحياز»؟ – شارل جبّور – الجمهورية


تستضيف طهران "قمّة عدم الانحياز" التي تستلم رئاستها من القاهرة ابتداءً من هذا الأسبوع، هذه المنظمة التي لا يختلف اثنان بأنّها تنتمي إلى زمن انتهى، إلى زمن الحرب الباردة، وما استمرارها إلّا نتيجة رغبة القيّمين عليها في الحفاظ على إطار من دون مضمون، إلّا أنّه كان ينبغي على الدول المشاركة في القمّة أن تحدّد جدوى مشاركتها انطلاقاً من نتائجها ومؤدّياتها، فإذا كانت تخدم مصلحة محور الممانعة على حساب محور الاعتدال أو تقدّم خدمة مجانية لإيران هي بأمسّ الحاجة إليها كان يفترض العدول عن المشاركة في القمّة أو تغيير مكان انعقادها.

فلا شيء كان يبرّر عدم الضغط على طهران لتخييرها بين الاعتذار عن استضافة القمّة وبين مقاطعتها وجعلها هزيلة لمجرّد انعقادها في إيران، ولكنّ الإبقاء على مستوى المشاركة نفسه من دون الأخذ في الاعتبار موقع الدولة الفارسية ودورها في الصراع على مستوى المنطقة، فهذا دليل على خفّة سياسية أو استهتار بمصالح الشعوب العربية والإسلامية التي تسعى هذه الدولة إلى مصادرتها وقيادتها إلى المصير المجهول-المحتوم.




فالمشاركة أو عدمها كان يفترض أن تتحدّد انطلاقاً من مكان انعقاد القمة، إذ أين المصلحة في تعويم إيران وإفساح المجال أمامها لفكّ عزلتها ومنحها قيمة ودوراً لا تستحقّهما، وإظهارها قادرة على كسر القرار الدولي بالمقاطعة على خلفية برنامجها النووي، خصوصاً كونها تعتقد أنّ باستطاعتها إحياء حقبة الحرب الباردة وإسقاط الاستكبار العالمي ربطاً بـ"دعوتها الإلهية"؟

وإذا كان من مشكلة في المنطقة، فهذه المشكلة متأتّية من الدور الإيراني الذي تتقاطع مصلحته مع الدور الإسرائيلي، ولو من باب العداء، وذلك لإبقاء مناخات التعبئة والحرب قائمة خدمةً لأهداف هاتين الدولتين ومصالحهما. فالنظام الإيراني يخدم إسرائيل والعكس صحيح، ولا أمل في السلام بالمنطقة قبل إسقاط النظام الإيراني وجرّ الإسرائيلي غصباً عنه إلى السلام الحقيقي.

ومن الثابت أنّ المنطقة لن تعرف معنى السلام ليس مع إسرائيل، إنّما داخل الدول العربية وبين بعضها بعضا قبل هزيمة محور الممانعة، أو محور الشر، الذي يثير القلاقل والنزاعات داخل هذه الدول ويريد خطف القرار السياسي العربي.

ويجب أن تدرك الدول العربية أنّ المجتمع الدولي معنيّ بمصالحه وليس مستعدّاً للقيام بمعارك تعويضية عن الآخرين، وبالتالي على هذه الدول أن تستفيد من لحظة الصدام بين طهران وهذا المجتمع لتتجاوز المسألة النووية إلى الدور الإيراني على مستوى المنطقة، فضلاً عن كونها معنيّة مباشرة في هذا الصراع نظراً للتماس القائم مع هذه الدولة، هذا التماس الذي يفرض عليها أن تكون في موقع رأس الحربة وتدخل في صميم الأجندة الدولية.

ولكن هذا الوضع، على خطورته، يبقى ثانوياً مقابل الدعم اللامحدود الذي توفّره طهران لدمشق والذي أدّى إلى سقوط عشرات آلاف الشهداء وحال دون رحيل الأسد، فضلاً عن أنّ إيران لم تجد نفسها معنية بتطرية مواقفها عشية القمّة، هذه المواقف التي تدلّ على انحيازها الأعمى للنظام السوري من تأكيدها أنها معنية بحماية محور المقاومة والممانع إلى تشديدها أنّ أمن سوريا من أمن إيران وأنّ الأزمة شأن إيراني وليست شأناً سورياً داخليّا وحسب، وإلى ما هنالك من مواقف تشكّل تحدّياً واستفزازاً للدول المشاركة.

ولعلّ اللافت في القمّة عدم دعوة حركة حماس أو دعوتها كعضو مراقب، ما أدّى إلى رفضها المشاركة، الأمر الذي يؤشّر إلى فقدان طهران الغطاء السنّي الذي كانت توفّره لها الحركة داخل فلسطين.

وأمّا لبنانيّاً فتجدر الإشارة إلى ملاحظتين:

الأولى، من المفيد التذكير بتجربة الرئيس سعد الحريري الذي زار طهران على رغم العقوبات الدولية والاستياء الأميركي، وجاءت الزيارة على خلفية أنّ الانفتاح على طهران يؤدّي إلى تحييدها والتبريد مع "حزب الله" في لبنان، ولكن إسقاط حكومته بقرار إيراني-سوري أثبت أنّ التقارب مع هذه الدولة غير مفيد، بل مضرّ بالمصلحة اللبنانية، خصوصاً أنّ أولويتها التعامل مع الحزب وليس مع الدولة اللبنانية، وإصرارها على تسليحه وتمويله وتدريبه وتوجيهه على حساب الإرادة اللبنانية.

الثانية، مشاركة رئيس الجمهورية ميشال سليمان تذكّر بالأسباب الموجبة التي دفعت قوى 14 آذار إلى إقامة التحالف الرباعي على قاعدة التسخين مع سوريا والتبريد مع "حزب الله، وذلك من منطلق أنّ مواجهة الطرفين مستحيلة وستحول دون انتقال السلطة إلى الأكثرية السيادية، وبالتالي يبدو أنّ سليمان الذي سجّل مواقف عدة دفاعاً عن السيادة اللبنانية في مواجهة الانتهاكات السورية من الحدود إلى متفجّرات سماحة-المملوك وما بينهما دعوة الرئيس السوري إلى الاتّصال به مع كلّ ما تحمله هذه الدعوة من ندّية في العلاقات فضّلَ التبريد مع إيران لتحييدها وتحييد الحزب عن الحملة التي يشنّها عليه النظام السوري ومَن مازال يدور في فلكه في لبنان.

قد يكون موقف رئيس الجمهورية مفهوماً، خصوصاً أنّه يسجّل له كلّ ما سجّله من مواقف مؤخّراً أعادت الوهج للرئاسة الأولى ودورها، وحيث ينتظر أن تكون كلمته في القمّة من وحي "إعلان بعبدا"، بالتشديد على النأي بلبنان فعلاً لا قولاً فقط، وتحييده عن صراع المحاور الذي تتزعّمه طهران وسيحوّل "قمّة عدم الانحياز" إلى قمّة الانحياز بامتياز.