عصابات إجرامية تهدد بتشويه سمعة الثورة السورية


لم يكن حاجز التفتيش دائما أو حتى طيارا بل حفنة من المسلحين بعضهم بملابس مدنية، والبعض الآخر يرتدي قطعا من الزي العسكري يقفون وسط طريق رئيسية خارج بلدة ابو الظهور في ريف ادلب، على بعد 50 كلم عن مدينة ادلب. كانت وجوههم مكشوفة وكانت الساعة العاشرة صباحا وحركة السير جارية عندما أوقف ابو ابراهيم، وهو مهندس ميسور الحال في الستين من العمر، سيارته عند الحاجز البشري. وقال ابو ابراهيم لمراسلة مجلة تايم "كل ما رأيته هو بنادق مصوبة داخل السيارة وقالوا لي أن انزل. وقال احد الرجال "خذ هذه السيارة ولكن لا تهنه"".




تلك لم تكن المرة الأولى التي يخطف سيارة ابو ابراهيم أشخاص يقول انهم ينتحلون صفة مقاتلين من الجيش السوري الحر. فقبل أسبوعين سُرقت سيارة العائلة في ظروف مماثلة. وقيل له إن السيارة ستعاد إليه إذا دفع 400 الف ليرة سورية (6225 دولارا). رفض ابو ابراهيم وسلَّم بضياع سيارته.

ولكنه في المرة الثانية، قرر ألا يقبل بالنتيجة نفسها وطلب من قائد محلي في الجيش السوري الحر تضم كتيبته نحو 30 رجلا أن يحاول استرداد السيارة. وقال ابو ابراهيم "نحن نعاني هنا من حقيقة ان الثوار وقعوا بين نارين، النظام والمجرمين الذين يقولون انهم ثوار".

ورغم وجود حواجز تفتيش لقوات النظام ما زالت تعمل على بعض الطرق الرئيسية حيث يمكن تفاديها بسهولة باستخدام طرق جانبية، فإن علم المعارضة المسلحة يخفق في العديد من البلدات والقرى في ريف إدلب حيث نشأت جيوب تقوم بدور المناطق الآمنة غير المعلنة بعد تحريرها من قوات النظام. ولعل مناطق واسعة من شمال سوريا خرجت عن سيطرة النظام لكنها ليست بالضرورة تحت سيطرة الجيش السوري الحر بشكل كامل.

فإن عناصر إجرامية ايضا تعمل في هذه الجيوب، مجموعات تخطف مقابل فديات ثم تفرج عن رهائنها، أحياء أو أمواتا، وتسلب السيارات المدنية من أصحابها.

وتعمل هذه العناصر الإجرامية أحيانا تحت راية الجيش السوري الحر الذي تحاول وحداته مكافحتها بطريقيتن، هما القوة النارية أو الضغط على الوجهاء المحليين الذين لديهم نفوذ في بعض العائلات والعشائر والمناطق. وتحاول تشكيلات الجيش السوري الحر ان تضبط صفوفها ايضا في وقت تقاتل قوات النظام وتتنافس على الإمدادات والمؤيدين والموارد فيما بينها، ومع جماعات مسلحة أخرى مثل كتائب احرار الشام السلفية.

وكانت مجلة تايم أشارت إلى أن الدعم الذي يتلقاه الجيش السوري الحر يأتي انتقائيا يصل إلى وحدات مختارة ومن مصادر متعددة ومتنوعة، بجهود مدعومة من الحكومتين القطرية والسعودية، وبتمويل من تبرعات سوريين في المهجر فضلا عن شيوخ خليجيين لديهم قدرات تمويلية ضخمة. وكثيرا ما تكون لدى وحدات الجيش السوري الحر، حتى تلك التي تقاتل في منطقة واحدة، مصادر تمويل وتسليح مختلفة. ويأتي بعض هذا الدعم بشروط، مقابل تعهدات بالولاء لليد التي تقدمه، على حد تعبير مجلة تايم.

كما يقوم بعض القادة المحليين في الجيش السوري الحر بدور الرعاة الذين يوزعون المال والسلاح على وحدات معينة ويتجاهلون وحدات أخرى. فالجيش السوري الحر إطار فضفاض يقوده رسميا العقيد رياض الأسعد وضباط منشقون آخرون يعملون من مخيم لاجئين في بلدة ابايدين باقليم هاتاي جنوبي تركيا. وهناك 10 مكاتب عسكرية للجيش السوري الحر في الداخل.

ويتنافس الأسعد والعميد مصطفى الشيخ، الذي كان من أول العمداء المنشقين، فيما بينهما منذ زمن رغم أنهما نحيا خلافاتهما جانباً على ما يُفترض بتشكيل مجلس عسكري مشترك في أواخر آذار (مارس). وقالت مجلة تايم إنها بعد أشهر من المتابعة الصحافية والمقابلات مع العديد من وحدات الجيش السوري الحر التي تعمل في شمال سوريا بالدرجة الرئيسية، خلصت إلى أن الأسعد والشيخ يدعمان مجموعات مختلفة داخل سوريا وهما بذلك يضعفان الجهود المتواصلة لتوحيد جيش الثوار.

وما هذه إلا نقطة واحدة من نقاط احتكاك متعددة بين فصائل مختلفة تعمل في إطار الجيش السوري الحر. فهناك صراعات حقيقية وخطيرة بين معارضة الخارج ومعارضة الداخل، وانقسامات ثانوية بين هذه الفصائل، وشروخ عميقة بين المعارضة المسلحة والمعارضة السياسية، وبين بعض المجموعات المسلحة في مناطق مختلفة. وفي الوقت الحاضر تُصوَّب غالبية بنادقها نحو هدف واحد ولكن من السهل ان يتوقع المرء ما سيحدث حين يسقط العدو المشترك.

خُط على جدار في بلدة سراقب "النصر يُصنع هنا وليس في تركيا". ويقود ابو طراد (27 عاما) كتيبة الشهيد أسعد هلال في البلدة التي تعمل فيها ثلاث وحدات أخرى إلى جانب كتيبته. ويجفل أبو طراد الذي كان تاجرا زراعيا، من فكرة الارتباط بمعارضة الخارج. وقال لمراسلة مجلة تايم "أين هم؟ في فنادق خمسة نجوم يحتسون الشاي؟"

ويذهب ابو طراد إلى ان "خلافاته" مع العميد الشيخ والعقيد الأسعد تعني أنه لا يتلقى معونة من أي فصيل منخرط في الجيش السوري الحر. وقال أبو طراد "انهما يشتريان الولاءات وولائي ليس للبيع" متحدثا من وراء طاولة في مكتب مدرسة تحولت إلى مقر وحدته. ويحتفظ ابو طراد بصور سبعة رجال فقدتهم وحدته تحت الزجاج الذي يغطي سطح الطاولة. وقال "نحن لن ننضم أبدا إلى الإخوان المسلمين أو السلفيين أو أي أحد".
عناصر من الجيش السوري الحر

ويعتمد ابو طراد ورجاله التسعون أو نحو ذلك على تبرعات خاصة من الخارج (لم يحدد من أين) لشراء السلاح، ويقول إن رجاله "يطبخون بعض العبوات الناسفة ايضا". وأضاف "أن بعضنا باعوا مجوهرات زوجاتنا لتمويل المعركة". وأكد ابو طراد أن الحصول على السلاح والمال "سهل كمن يأخذ رشفة ماء". وهز العديد من رجاله الذين جلسوا على مقاعد صُفت في نصف دائرة حول جدران المكتب متفقين معه. وقال "نحن نريد سلاحا ولا نحتاج إلى خبز بل سنأكل التراب، كل ما نريد هو القتال".

وتابع أبو طراد قائلا "إن لدى السلفيين من يدعمهم وهو دعم قوي" في إشارة إلى جماعة أحرار الشام. وأكد "أنا لا ألومهم ولكننا بدأنا قبلهم، وأرقنا دماءنا، واعتقد أنه من الظلم الكبير علينا ان يكون الدعم الذي يلقونه أقوى". ورد أحد رجاله قائلا "هذه سياسة خليجية" في إشارة إلى جهات دينية مانحة في بلدان الخليج تتولى تمويل وحدات سنية محافظة في سوريا، بحسب مجلة تايم.

وقال ابو زيد، وهو الإسم الحركي لخريج من كلية الشريعة في الخامسة والعشرين يقود إحدى الكتائب الأولى لجماعة أحرار الشام أنه يتفهم وضع قادة في الجيش السوري الحر مثل أبو طراد ولكن هذه ليست مشكلته.

وأشار أبو زيد إلى أن الجيش السوري الحر "يتلقى دعما أكبر مما نتلقاه نحن، ولكن دعمنا يُسلَّم الينا ودعمهم لا يصلهم، وهذه هي الحقيقة. فان دعمهم يبقى في تركيا ولا يصل إلى الثوار هنا. وإذا ارسل مؤازرونا 100 ليرة فإننا نتسلم 100 ليرة وهذا هو الواقع". ورفض ابو زيد أن يقول من هم مؤازروه وما إذا كانوا حكومات أو افرادا. وقال "لا يهمني إن كان رسميا او غير رسمي، فنحن لدينا ما يكفي".

ما تتمتع به وحدة أبو زيد لا تملك العديد من وحدات الجيش السوري الحر إلا ان تتمناه لنفسها. وتحمِّل غالبية الوحدات من يُسمون قادة الخارج مسؤولية وضعها هذا لعدم مدها بالسلاح والذخيرة والتمويل الذي تحتاجه، دافعين إياها إلى التسول من أجل الإمدادات وبعض الوحدات إلى استخدام أساليب إجرامية لتأمين احتياجاتها، كما تقول مجلة تايم.

وكانت وحدة تعمل في شمال سوريا خطفت مؤخرا ثلاثة سوريين شيعة من قرية فوعا الموالية للنظام مطالبة بمدفعين مضادين للطائرات عيار 14.5 ملم مقابل الافراج عنهم. ولكن سكان قرية فوعا ردوا بخطف 32 سنيا من قرى محيطة بينها تفتناز وبنش وسراقب مهددين بقتلهم إذا لم يُفرج عن الشيعة الثلاثة. وبعد أسبوعين من المفاوضات الصعبة بين عدة وحدات تابعة للجيش السوري الحر لتهدئة الوضع أُفرج عن جميع الرهائن سالمين.

وتقوم وحدات من الجيش السوري الحر بخطف جنود نظاميين من حافلات الجيش وتطالب بفدية من عائلاتهم. وتتفاوت الفدية من 100 الف ليرة (1550 دولارا) إلى 200 الف ليرة (3100 دولار) مقابل الجندي النظامي رغم أن عائلة ضابط برتبة مقدم قالت مؤخرا إنها دفعت مليون ليرة مقابل الافراج عنه.

وناقشت مجموعة من مقاتلي الجيش السوري الحر والمدنيين مؤخرا أخلاقيات الخطف. وقال أحد الرجال المشاركين في النقاش "إن لدى بعض العسكريين لديهم أسبابهم لعدم الإنشقاق ويجب ألا يعاقبوا على حماية أُسرهم" في إشارة إلى انتقام قوات النظام أحيانا من عائلة المنشق أو ممتلكاته. ورد مقاتل في الجيش السوري الحر قائلا إنهم يستطيعون الإنشقاق إذا كانوا عائدين إلى أهلهم في إجازة "ونحن بحاجة إلى المال". واتفق المجتمعون على أنه من الخطأ خطف العسكري إذا كان عائدا إلى أهله في إجازة لأنه ربما كان يستخدم الإجازة للانشقاق. ولكن إذا كان عائدا إلى ثكنته من الإجازة فان القصة تختلف في هذه الحالة. وقال ابو أمجد الذي يقود ابنه أمجد وحدة تابعة للجيش السوري الحر "إن هذا يعني انه عائد لقتلنا وبالتالي لا بد من إيقافه".

ولكن الأمر يختلف مع خطف السيارات المدنية. فإن الخاطفين كثيرا ما يكونون ملثمين بخلاف غالبية مقاتلي الجيش السوري الحر الذين يتحركون بحرية حاملين أسلحتهم في البلدات والقرى الواقعة شمالي سوريا، حتى خلال النهار. ورغم ذلك فإن خاطفي السيارات يرفعون في أحيان كثيرة علم الثورة السورية. وذات يوم وقفت مجموعة صغيرة من الملثمين وسط الطريق خارج بلدة تفتناز، رفع أحد افرادها علم الثورة السورية على دراجته النارية. وبعد اجتياز حاجز المجموعة طلب المقاتل محمد من السيارة التي كانت تنقل مراسلة مجلة تايم ان تستدير السيارة لتأديب افراد المجموعة، ولكن المقاتل باسل الذي كان معه قال "ليس لدينا سلاح كاف لمواجهتهم". ورد محمد طالبا الاتصال "بالشباب للمجيء واعتقال هؤلاء اللصوص". وقال لمراسلة مجلة تايم "نحن نعرف من يعمل هنا، وهؤلاء ليسوا ثوارا حقيقيين".

ونشأ وضع مماثل في وقت سابق من الشهر ولكن على نطاق أوسع بعد السيطرة على معبر باب الهوى بين تركيا وسوريا. فإن بعض الشاحنات التي كانت متوقفة عند المعبر تعرضت للنهب والحرق فيما تعرضت أخرى للسرقة. ودفعت هذه الأعمال بعض مقاتلي الجيش السوري الحر إلى ملاحقة المقاتلين المسؤولين والمطالبة بإعادة الشاحنات المسروقة أو تعويض أصحابها. وأعلنت السلطات التركية في إقليم هاتاي بعد أيام عودة 19 من أصل 30 شاحنة تركية سُرقت من معبر باب الهوى.

وأُعيدت سيارة المهندس أبو ابراهيم أيضا بعد 10 ايام على قيام مجرمين ينتحلون صفة مقاتلين بسرقتها. وقال ابو ابراهيم إنها عادت إلى كراجه "بقوة السلاح وليس بالكلمات الطيبة". وأوضح ابو ابراهيم أن هناك مجرمين وعاطلين كانوا موجودين قبل الثورة "وهم يستغلون الوضع" مشيرا إلى وقوع اشتباكات بينهم وبين الثوار. وقال "ان الثوار يعيدون السيارات إلى المواطنين ويساعدوننا، ولكن هذه ثورة وعليهم الإهتمام بأشياء أخرى".

إيلاف