«ياء.. ياء.. ياء»! – عماد الدين أديب – الشرق الأوسط

العقل السياسي العربي يعاني – بالتأكيد – من مشاكل عديدة، أهمها عدم وضوح الهدف وتشوش الرؤية السياسية.

الانقلاب يتحول إلى ثورة، والثورة تتحول إلى انقلاب، والفاسد يتحول إلى قديس، والقديس يتحول إلى سارق، والقاتل يتحول إلى قتيل، والطاغية يتحول إلى ثائر، والثوري بعد فترة في الحكم يتحول إلى أسوأ ممن ثار عليهم.




والإعلامي المحايد يتحول إلى ناشط إعلامي، والمحاور يتحول إلى ضيف، والكذبة أو الشائعة على «تويتر» تصبح خبرا يحاسبك الناس عليه، بل يمكن أن تدخل السجن بسببه!

ضياع الحق، وتشوش الحقيقة، وغياب المنطق، وسطوة الغوغائية، وغلبة الصوت العالي، وهيمنة منطق الاغتيال المعنوي للأفكار، هي سمات أساسية لتلك المرحلة التي نحياها هذه الأيام.

الإنكار والنفي والشجب والتنديد والسخرية والحط من قدر أشخاص وأفكار ومواقف الآخر الذي يعارضنا، هي أحد قوانين اللعبة السياسية التي نعايشها.

لم يعرف التاريخ قط أي تطور أو تقدم لحضارة أو ثقافة أو مجتمع قامت النخبة فيه على مبدأ إقصاء أشخاص وأفكار الغير.

«أنت لست موجودا»، «كل رجال تلك المرحلة خارج اللعبة السياسية»، «كل من ساهم بشكل أو بآخر في تجربة العهد الماضي ممنوع تماما من المشاركة في الحياة السياسية»!.. هل هذا معقول؟! هل هذا مقبول؟! هل هذا يتم تطبيقه في أي نظام ديمقراطي؟!

لقد أمرت المحكمة الدستورية العليا الحرس الوطني كله في الستينات بتنفيذ أمر المحكمة بإلحاق أول طالبة في الجامعة بولاية تينيسي الأميركية، لأنه لا يجوز في أي نظام لأي دولة عصرية أن يتم استبعاد أو إقصاء أي إنسان ومنعه من القيام بحقه المشروع بممارسة مواطنته في بلاده.

حالة الفوضى والارتباك والتشوش وتضارب الأولويات والمفاهيم التي نعيشها هذه الأيام تحتاج منا إلى العودة للأبجديات، والاستمساك بصفاء الأفكار، وحسن الظن في بعضنا البعض، والسعي الصادق لإقامة مجتمع التسامح الحقيقي في ظل دولة يحكمها القانون.

حالة الاضطراب هذه تعيدنا إلى منطق أسميه بمنطق «الياءات الثلاثة»، وهو اختصار لثلاث كلمات مصرية تصف أحدهم بأنه «يدوب.. يعرف.. يفكر»!