الحرب الحقيقية ومراحل إسقاط الدولة السورية – عصام عبد الله – الجمهورية


قال الرئيس السوري بشار الأسد إنّ ما يجري في سوريا «حرب حقيقية بكل جوانبها وبكل ما لهذه الكلمة من معنى. وعندما نكون في حال حرب، فكلّ سياستنا وتوجّهاتنا وكلّ القطاعات تكون موجّهة من أجل الانتصار في هذه الحرب ومعاركها».
لا أدري إذا كان الرئيس السوري يُدرك أبعاد هذا القول أو أنّه تعمّد إطلاقه. إذا كان يُدرك فتلك مصيبة، أمّا إذا لم يدرك فالمصيبة أعظم.

إنّ إعلان رئيس البلاد عن حرب حقيقية يعني بالمفهوم الدولي إسقاط هذه الدولة من حساب الدول التي يُمكن إقامة علاقات معها والتعامل معها على أساس أنّها دولة في انتظار انتهاء الحرب.




وأهمّ انعكاس فوري وسريع لهذا الموقف يكون من شركات التأمين العالمية والمحليّة. فهذا الموقف الصادر عن أعلى سلطة في البلاد يحلّ شركات التأمين من أي مسؤولية مادية أو معنوية عن أي أضرار أو طلبات تعويض قد يتقدّم بها زبائنها إلى هذه الشركات، لا سيّما شركات النقل والطيران والصحّة وغيرها كثير. واستطراداً فإنّ كل الاشتراكات والأموال المدفوعة لهذه الشركات تُصبح ملغاة وكأنّها لم تكن، ولا يمكن التعويض لأصحابها.

والانعكاس الثالث والسريع لمثل هذا الموقف، أنّ كل مراكز الإتجار بالسلاح والممنوعات على اختلافها في العالم ستحوّل وجهتها نحو هذا البلد، باعتباره بلداً يعيش حال حرب لا تحكمه القوانين العادية بل قوانين الحرب، وأهمها قانون قوّة القوي.

لقد أسقط الرئيس الأسد بهذا التصريح منظومة الدولة التي حاول خلال فترة الأزمة الإبقاء عليها، من خلال محاولات السيطرة على الانتفاضة، ومن خلال إظهار أنّ الدولة ما زالت متماسكة وأنّ مؤسساتها تعمل، وأنّ أحداً لم يتمكن من زعزعة النظام. فجاء هذا الكلام ليسقط منظومة الدولة بتصريح رسمي.

رُبّ قائل إنّ الأسد أو المسؤولين في القيادة أو في الحكومة قد يصدرون تصريحات توضيحية لموقف الرئيس وإنّ الأمر ينتهي عند هذا الحد.

والردّ على ذلك يكون، خصوصاً من شركات التأمين، بأنّ لديها تصريحاً واضحاً متلفزاً بالصوت والصورة من أعلى سلطة في سوريا بأنّ البلاد تعيش حال حرب، وأنّ هذا التصريح يعفيها من كلّ مسؤولياتها.

وتضيف الحوادث والتفجيرات والوضع الأمني بُعداً تأكيديّاً على أقوال الرئيس السوري إذ لا يمكن الهرب من التصريح ويمنع التعاطي مع أي تصحيح أو توضيح قد يصدر. وهنا لا بدّ من التوقّف أمام حوادث مشابهة. فمع بدء الحوادث في لبنان عام 1975 صدرت إحدى الصحف اللبنانية تحت عنوان: الحرب الأهلية في لبنان.

كان هذا العنوان طبيعيّاً في حينه، لكنّ ما كشفته الأيام أنّ شركات التأمين سعَت بكل ثقلها وأموالها إلى نشر هذا العنوان ما أعفاها من مسؤولياتها والتزاماتها المادية والمعنوية أمام عملائها وزبائنها، وقُدّرت تلك الالتزامات بملايين الدولارات. فمن المعروف أنّ كلّ شركات التأمين لا تعوّض على زبائنها أثناء الحروب.

وهذا يدفع إلى النقطة الآتية القائلة إنّ المصيبة أعظم، فهل تمكّنت شركات التأمين الدولية من التأثير في صاحب القرار في سوريا، أو مقربين منه، معنوياً أو مادياً لإعلان هذا الموقف والتفلت من الالتزامات المادية؟ واستطراداً كيف ستطير الطائرات السورية وكيف ستتحرّك البواخر السورية وما هو مصير بوليصات التأمين في سوريا وخارجها؟

مشهدٌ آخر من مشاهد إسقاط الدولة في سوريا، وهو المتعلّق بالموافقة على بعثة المراقبين العرب ولاحقاً بعثة المراقبين الدوليين. فمن المعروف أنّ موافقة أيّ دولة على حضور قوات غريبة على أرضها يتمّ بناء على نتائج حرب أو صراعات إقليمية. وما القوّات الدولية في الجولان السوري إلّا ترجمة لهذه الصورة.

فعندما توافق الحكومة السورية على بعثة المراقبين العرب تكون بذلك قد أقحمت نفسها في مجال تحويل الصراع الداخلي إلى المنظومة العربية، وهذا يعني أنّ الحكومة السورية باتت غير قادرة على التفاهم مع أبناء شعبها، وأنّ هؤلاء باتوا غير راغبين في الاستمرار بقبول سلطة هذه القيادة وهذه الحكومة التي ارتضت أن يكون بينها وبين شعبها مَن يراقب حركتها وتحرّكاتهم.

ثم تتطوّر الحوادث وتتحوّل بعثة المراقبين العرب إلى بعثة مراقبين دوليين، وبذلك تصبح القوّات الدولية على الحدود مع العدو الإسرائيلي الخارجي ومع العدو الدخلي، وهو هنا بعض الشعب السوري.

وإذا أضيفت مهمّة مبعوث السلام كوفي أنان إلى العناوين الآنفة، تصبح هيبة الدولة السورية وشرعيتها محطّ تساؤل، وهذا ما يدفع المجتمع الدولي إلى الحديث عن فترة انتقالية وتحويل سلطات الرئيس إلى حكومة وحدة وطنية مشتركة تعيد الدولة السورية إلى مسار الدول الشرعية، على رغم أنّ الحكومة الحالية ستحاول المعاندة والاستكبار.