طفح الكيل .. فلترحل سلطة مخلفات الوصاية والإحتلال




طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

عانينا لسنوات خلت من سلطة أمنية فتكت بالحريات وأجهضت كافة محاولات انتصار السيادة، حرمت لبنان استقلاله طيلة عقدين من الزمن بعد أن وضعت الحرب أوزارها، عانينا احتلالا ووصاية نظام حاقد كافر أذل اللبنانيين ومنع عنهم بالترهيب نعمة الكرامة، وعانينا غطرسة واستكبار واستقواء الجبناء أتباعه، هؤلاء الصغار الذين استظلوا سطوته فهتكوا الأعراض وانتهكوا الحرمات وعاثوا في أرضنا فسادا وتخريبا الى ما لا نهاية، عانينا الصمت والخوف وقلة الحيلة في فصيل هائل من من المهرجين المتفرجين، وعانينا الخطف والإعتقال والموت في أقبية مخابراتهم .. عانينا الإغتيال في شجعان استشهدوا لنستعيد لبنان

 

دفعنا الأثمان غاليا وغاليا جدا، معاناتنا كانت بحجم توقنا الى الإنعتاق من ظلم الجلادين فكانت الثورة، كانت القيود في معاصمنا أشد إصرارا من وقع سياطهم، أشد بأسا من رصاص بنادقهم واشد جرأة من عسكرهم المدجج بأنواع القتل، كانت بحجم الدماء الطاهرة التي أهرقت في سبيل الحرية، وبحجم انتفاضة شعب رزح سنوات طوال تحت نير التاريخ المشترك والجغرافيا المتداخلة تارة والمقضومة طورا، دفعنا الأثمان غاليا وغاليا جدا، معاناتنا كانت بحجم كم الأفواه الى حد الإختناق، بحجم السكوت القسري والسجون التي غصت بالأحرار، معاناتنا كانت بحجم الحشود التي تدفقت من كل الوطن الى ساحة الوطنية .. بحجم الهوية والإنتماء والمواطنية

 

لم يخض اللبنانيون معاناة بهكذا حجم لتستمر حتى ما بعد جلاء جيوش الإحتلال، ولا انتفضوا لتكون انتفاضتهم استكمالا للوصاية حتى ما بعد سقوطها، لم يثوروا ليبقى القمع سيفا مسلطا على الأعناق والتهويل والتهديد لغة متداولة لا نقاش فيها ولا معها، لم يواجهوا الطغيان والتسلط لتتغير الشعارات فقط وترافقهم مفاعيل العهود السابقة في سلطة من مخلفاتها

لم يخض اللبنانيون نصرا بهذا الحجم ليستمر انتصارهم معاناة وأغلالا وانكسار، ولا خاضوا الصمود في وجه الغاصب ليبقى الغاصب على عرشه وإن تبدلت الأسماء، لم يختر اللبنانيون الحرب إلا أنهم لم يتراجعوا عند المعركة الفاصلة، فرضت عليهم فأعلنوها جهادا حتى الأنفاس الأخيرة، لم يخض اللبنانيون نصرا بهذا الحجم لتحكمهم سلطة من مخلفات الوصاية والإحتلال

 

الى متى نكرم الدولة المهزومة والمغلوبة على أمرها؟

الى متى ستستمر الدولة الأسيرة تقدم التحية للسلطان كلما نطق وتحبس أنفاسها كلما عطس وترتعد رعبا كلما علت نبرته؟ الى متى ستستمر الدولة المصادرة خاضعة للباب العالي تسدد الجزية لإنكشاريته وتسد رمقها بلحس المبرد؟ الى متى ستستمر مهزلة السلاح المقاوم والمربع المقاوم والتعديات التي ترتكب بحق اللبنانيين وبإسم المقاومة؟ الى متى ستستمر مهزلة بحث الاستراتيجية الدفاعية التي تسهل قيام دولة رديفة شرعية مقابل تحلل الدولة الشرعية وغيابها الكامل؟

 

الى متى ستستمر الدولة في مغامرات غير محسوبة تخوض الإنتكاسات والهزائم؟ الى متى يستمر الأمر الواقع في تحكمه بالواقع ويستمر الشعب في إعلان استسلامه بدل رفع شارات النصر المستحقة؟ الى متى الدولة مغلوبة على أمرها والشعب مغلوب على أمره وميليشيا “ هم الغالبون ” تنتحل صفة الدولة وتحتكر صفة الشعب؟ الى متى نكرم الدولة المهزومة ونبجل هازمها؟ نحاوره، نفاوضه ونسأل خاطره، نساكنه، ننحني أمامه ونخضع لإرادته، الى متى؟ لقد طفح الكيل

 

طفح الكيل .. منطق الألوهية والمقدسات لا يجعلكم آلهة

طفح الكيل في الكذب والنفاق والصفقات والسرقات، في التسويات والمساومات وما فوق وما تحت الطاولات، في التخوين والإتهام بالعمالة والأمركة والصهينة وباقي السيناريوهات، طفح الكيل في ادعاء الألوهية وتقديس الإجرام وكل أشكال السياسة في الحلال والحرام، منطق الألوهية والمقدسات لا يستر العورات وإن جمع حولكم البشر والحناجر، لا يحول فشل حكومتكم الى نجاح ولا يغطي تجاوزات الأجهزة التي تدين لكم بالولاء، منطق الألوهية والمقدسات لا يجعلكم آلهة ولا يجبرنا على التعاطي معكم كآلهة ولا يفرض علينا الطاعة العمياء

 

حاولتم ايقاظ الفتنة على كل شبر من تراب هذا الوطن، فشلتم وإن أصبتم النجاح في بعض النفوس الضعيفة والمريضة، حاولتم استعادة القوة في الشارع، فشلتم أيضا وإن أرهبتم بعض الآمنين، توقعتم الإنتصار السريع والمبين، فوجئتم بالمواجهة، فوجئتم بالشعب، بشجاعته وتصميمه على الإحتفاظ بنشوة الحرية، فوجئتم أن أياركم الغادر اندحر أمام هيبة الشعب، أمام كرامته وعنفوانه، لم تكن نزهتكم موفقة فتراجعتم الى الحوار، محاولة أخرى فاشلة في الإلتفاف على الهزيمة النكراء التي أصابتكم .. لقد طفح الكيل يكفيكم محاولات

 

طفح الكيل .. فلترحل سلطة مخلفات الوصاية والإحتلال

لقد طفح الكيل في حكم الشام وطاغية الشام ورعاع الشام، في السلاح المقاوم والوعود الصادقة والإنتصارات الآلهية، لقد طفح الكيل في معاهدات الأخوة والصداقة والمجلس الأعلى والسفارات والسفراء، قدرة القتل والتصفيات الجسدية لم تعد تخيف أحدا، لقد طفح الكيل في وحدة المسار والمصير وشوكة الخاصرة وانتهاكات الحدود التي تصدر السلاح الى ثوار الربيع المخضب بالدماء، آن أوان اللبننة وإن كانت صعبة فهي غير مستحيلة .. لقد طفح الكيل بنا فلترحل سلطة المخلفات الى غير رجعة ودون أي استثناء