الحدود الشمالية… شبه مفتوحة؟ – سركيس نعوم – النهار


الثابت أن التيارات الاسلامية الاصولية السنّية، صارت منتشرة في شمال لبنان، وتحديداً في العاصمة الثانية طرابلس، وفي قضاء الضنية – المنية، وفي محافظة عكار. والثابت أيضاً أن عملها لم يعد دعوياً وسلمياً فقط. بل صار سياسياً باعتبار ان لا فصل بين الديني والسياسي في الاسلام. وظهر ذلك بوضوح من خلال الموقف الحاضن للثوار والنازحين السوريين، ومن خلال الدعم الذي تقدمه للمقاتلين مادياً كان أو سلاحياً. كما ظهر من خلال تحركها السياسي احتجاجاً على قضايا معينة، قد يكون أساسها محقاً، والمطالبة بحلها فوراً وإن انطوى ذلك ضمناً على تجاوز للقضاء. علماً أن القضاء لم يقم بواجبه في تلك القضايا، وأن الدولة لم تقم بدورها ربما لأنها صارت هياكل فارغة الا من رموز غير فاعلة. الا ان ابرز مظهر لتحول التيارات المشار اليها من العمل الدعوي الى العمل السياسي، الذي يُعتبر السلاح جزءاً منه، كان ظهور جماعات مسلحة في اكثر من منطقة شمالية في أعقاب حوادث الشهرين الاخيرين. وهنا لا بد من الاعتراف ايضاً أن وجود سلاح آخر قد يكون أحد ابرز أسباب ظهور السلاح الجديد


كل ذلك يثير تساؤلات عن مَن يقف وراء التيارات الاسلامية الأصولية السنّية ومن يموّلها، وعن أمور أخرى كثيرة. فهل من أجوبة عنها؟

المعلومات المتوافرة عند جهات اسلامية سنية عريقة تشير، استناداً الى قريبين جداً منها، الى الآتي:

1- كان الاسلاميون في طرابلس مجموعات صغيرة. لكنها بدأت تصبح فاعلة وصار عندها مسلحون. بعضها يتبع جهة رسمية غير مدنية، وبعضها يتبع مرجعية رسمية. اثنان من الذين قتلوا في الحوادث الاخيرة كانوا "له" وكان يصرف عليهما وقد ظهر ذلك في وضوح اخيرا في غير مناسبة.
2- المملكة العربية السعودية هي الجهة الأهم التي تدعم ابناء التيارات الاسلامية في الشمال اللبناني وخارجه. ورغم المشكلات التي تعيشها، بسبب الوفاة وانتقال السلطة وكبر السن فان سياستها مستمرة وتطبق بانتظام لأن احفاد المؤسس بدأوا يمسكون الزمام، وهم الذين يتعاطون مع الاسلاميين ويمدّونهم بكل ما يحتاجون اليه. لكن المملكة كعادتها تقرر الدعم، لكن تنفيذه تقوم به قطر جراء اتفاق بينهما. وهي تُطلع المسؤولين السعوديين على كل ما تفعله على هذا الصعيد

3- في الشمال صار الوضع أكثر صعوبة. في البداية كان السلاح يدخل والمال عبر الحدود، وكذلك المقاتلون (ذهاباً واياباً) والنازحون. اما الآن فان الوضع صار أكثر سهولة بالنسبة الى الاسلاميين ومناصريهم. فالحدود (مع سوريا) صارت شبه مفتوحة. حتى المعابر الرسمية يتم التهريب المتنوع عبرها وبالوسائل المعروفة. واحياناً يدخل معارضون ومقاتلون ويمضون اياماً داخل سوريا ثم يعودون. وفي مدينة طرابلس صار هناك معارضون سوريون مقيمون بعضهم أو معظمهم اسلامي. دخلت مجموعات عبر الحدود الى سوريا لتقاتل، لكنها اختلفت مع "الجيش الحر" فعادت. وفي سوريا مجموعات مقاتلة صغيرة لا تتبع كلها لهذا الجيش. ستون في المئة من مساحة سوريا لم تعد خاضعة تماماً لسلطة النظام فيها. المعارضة السورية لا تمتلك خطة لما بعد الاسد

ما مدى تأثير التيارات الاسلامية الاصولية السنّية على "تيار المستقبل" الذي استأثر منذ نزول الشهيد رفيق الحريري الى الساحة السياسية اللبنانية رسمياً عام 1992 بالتمثيل السنّي في البلد وعلى شخصيات اخرى؟

يقول فاعلون في "المستقبل" ان السلفيين يُعدّون بضعة آلاف. لكن الغالبية الكبيرة سنياً معه. ويقول اسلاميون ان هذه الغالبية ستتغير بفعل الأمر الواقع الاسلامي الجديد المسلح على الارض شمالاً وبيروت وجنوباً وبقاعاً. ذلك ان معظمها لا يقاتل، اذ ان قادة تيارها لا يؤمنون بالعنف وهذا هو الأصح. ويضيف هؤلاء ان "المستقبل" ضعف كثيراً في طرابلس اخيراً، وان المشهد السياسي في صيدا صار للشيخ الأسير ومَن مثله، وان الاسلاميين سيصبحون شركاء له في وقت غير بعيد وبحصة اكبر من حصته ربما

اما السياسيون الآخرون، وخصوصا الذين منهم "يتعاملون" مع الاسلاميين من زمان، فانهم قد يفقدون بعض وزنهم. ومن رأى الزعماء ابان احداث طرابلس كيف وقفوا استقبالاً "لزعيم" ميليشيا اسلامية، رغم أنه كان باللباس الصيفي للميدان، عندما كانوا يحلّون مشكلة بعل محسن – باب التبانة، يعرف دقة الحديث عن مستقبل الجميع.