لماذا تصاعدت رغبة 14 آذار في رؤية حكومة ميقاتي تسقط؟ – ابراهيم بيرم – النهار


لا تخفي مصادر قيادية في "حزب الله" وحركة "امل" علمها برغبة حقيقية وربما جارفة استبدت في الأشهر القليلة الماضية بفريق 14 آذار وبالتحديد بتيار "المستقبل" في رؤية حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تتهاوى وبالتالي تنطوي صفحة تجربة حكومية اولى تخلو من تمثيل لهذا الفريق، بطريقة درامية


هذا الاستنتاج لا يعني في نظر هذه المصادر ان هذه الرغبة مستجدة او وليدة الأسابيع القليلة الماضية، ولكن الثابت لدى هذه المصادر ان مفاعيل هذه الرغبة بدأت تفصح عن نفسها في الآونة الاخيرة اكثر من اي وقت مضى لاعتبارات عدة ابرزها:

– إن فريق 14 آذار يعتقد جازماً أن "ثمرة" هذه الحكومة قد اينعت وبالتالي حان وقت اسقاطها تحت وطأة واقع سياسي امني مر ومزرٍ وتحت ثقل اخفاقات متتالية، وفي ظل نهوض حركة اعتراض واسعة في وجه هذه الحكومة شملت مناطق تعد اصلاً معاقل لقوى الاكثرية

– إن قوى المعارضة كانت تتربص حتماً بالحكومة منذ انطلاقتها الأولى، ولكنها كانت مضطرة الى ان تعطيها فترة سماح بانتظار ان تتراكم اخطاؤها وخطاياها اعتماداً منها على نظرية ان هذه الحكومة حملت في طياتها بذور تناقضاتها وانفجارها منذ لحظة تشكيلها كونها حكومة مكونات متناقضة في النشأة والمنبت والاهداف

ومما لا ريب فيه ان قوى المعارضة أتقنت الى اقصى الحدود لعبة اقتناص هذه الاخطاء والنفخ فيها بغية تضخيمها

وكان لا بد لقوى المعارضة من أن ترفع في الآونة الأخيرة اكثر من اي فترة مضت وتيرة المطالبة بترجل الحكومة عن حصانها لتحل محلها حكومة اخرى لأن هذا الفريق أيقن ان الحكومة الميقاتية اكتسبت "شرعية" اقليمية ودولية كان هذا الفريق يعتقد بداية أنها تفتقر اليها لا سيما اثر ردة الفعل التي قوبلت فيها لحظة ولادتها ومحاصرتها بشبهة انها حكومة "حزب الله"، وازدادت المكانة الاقليمية والدولية لهذه الحكومة اثر اندلاع الاحداث في الساحة السورية واثر بروز افصاح "خصوم" النظام في دمشق عن رغبتهم في ابقاء الساحة اللبنانية تحت مظلة الاستقرار اعتقاداً منها ان انفجار هذه الساحة يشكل حبل السرّة للنظام السوري الذي يمكن ان يتغذّى منه ويتنفس عبره

ولاحقاً أيقن فريق 14 آذار اكثر ان المطلوب اقليمياً ودولياً لم يعد بقاء الحكومة فحسب بل صار العمل جارياً لحمايتها ودرء اي مخاطر عنها تفضي الى سقوطها، وقد اتضح له ذلك من خلال "مباركة" الدعوة التي وجّهت لعقد طاولة الحوار الوطني في قصر بعبدا، اذ تكوّن لدى المعارضة سريعاً من خلال رسالة العاهل السعودي الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان ان طاولة الحوار لها هدف مضمر هو حماية الحكومة ورفدها بأسباب الصمود والاسناد

وعليه، وبعد ان تيقن فريق المعارضة انه لم يعد في وضع يسمح له بالامتناع عن الجلوس الى طاولة الحوار الوطني في قصر بعبدا، لجأ الى اجتراح فكرة من شأنها ان تصيب عصفورين بحجر واحد، اذ طرح مقولة ان طاولة الحوار التي ستنصب مجدداً في قصر الرئاسة هي مدخل الى حكومة جديدة حيادية للاشراف على الانتخابات النيابية المقبلة

لذا، فان الفائدة الاولى لهذا الفريق من خلال رفع لواء هذا الطرح تكون بعدم تغييب شعار اسقاط الحكومة وابدالها بحكومة حيادية تنال ثقة الجميع وفق ما ورد في الوثيقة التي اعدها هذا الفريق قبل فترة قصيرة وسماها "المبادرة الانقاذية"، والفائدة الثانية ان الحوار ليس نهاية المطاف او المحطة التي تؤدي عادة الى اطفاء الاهداف وتبديد الهجمات، بل ان هذا الحوار سيكون باب العبور الى مرحلة ما بعد حكومة ميقاتي التي صارت في حكم الساقطة ووجودها حالياً هو لتصريف الاعمال فحسب، وهو كلام موجه بطبيعة الحال الى جمهور هذا الفريق الذي احبط لكثرة اخفاق فريقه في تحقيق ما رفعه من شعارات واهداف منذ ان صار خارج جنة الحكم، لا سيما وان كلمة السر التي حرص دوما رموز هذا الفريق على اشاعتها في دواخل جمهوره ان حكومة ميقاتي لم تنوجد لتحكم طويلاً وانها حتماً قصيرة العمر

وسعي فريق 14 آذار لاسقاط الحكومة لم يقتصر فقط على مسألة الضغط السياسي والاعلامي بغية تحقيق هذا الهدف الأسمى، بل ان دوائر القرار في الاكثرية رصدت منذ زمن بعيد اكثر من محاولة بذلها هذا الفريق لبلوغ ذلك الطموح عبر فرط عقد الحكومة من الداخل و"اغواء" بعض مكوناتها.
أولى هذه المحاولات والتي كان رئيس مجلس النواب نبيه بري اول المطلعين على خيوطها السرية، وأول المبادرين الى الكشف عن مستورها تمثلت بسعي الرئيس فؤاد السنيورة لاقناع الرئيس ميقاتي بفكرة المبادرة الى الاستقالة من الحكومة الحالية لفرطها، على وعد أن يكون ميقاتي رئيساً لحكومة تكنوقراط محايدة تشرف على الانتخابات النيابية المقبلة، على أن يكون هو (أي ميقاتي) رئيس أول حكومة بعد الانتخابات خلافاً لتجربته في صيف عام 2005.

اللافت ان ميقاتي أخذ وقته للتفكير بالعرض المذكور قبل أن يصرف النظر عنه، خصوصاً انه في حينه كانت الأنباء الواردة من سوريا تشير الى ان وضع نظام الرئيس بشار الأسد ضعيف وانه قد لا يصمد أمام الهجمة الشرسة ضده

أما ثانية هذه المحاولات فكانت عبارة عن تلميحات ووعود مضمرة وصلت عبر قنوات عدة الى رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط فحواها ان الثمن الأكبر لاعادة فتح الابواب الموصدة امامه في السعودية وسواها هو في الخروج من الحكومة وتركها تتهاوى وتسقط وحدها، لكن هذا العرض لم يثر حماسة جنبلاط رغم اعلانه "الحرب" على النظام في سوريا، لاسباب وحسابات دقيقة متعددة تتصل بتعقيدات الوضع اللبناني وعلاقته بأطراف في الأكثرية. وقد شاء جنبلاط أخيراً الاستخفاف علناً بدعوة فريق 14 آذار لاستبدال الحكومة الحالية. وثالثة المحاولات برزت في الايام القليلة الفائتة، وكان لها أكثر من خط، واحد باتجاه الرئاسة الاولى حيث طرح معها اثارة موضوع ابدال الحكومة على طاولة الحوار، وخط آخر في اتجاه قوى في داخل الأكثرية، وقد انطوت المحاولة على عرض تعدى حكومة التكنوقراط الحيادية لتسوق فكرة حكومة انقاذ وطني يعاد فيها الى صيغة حكومات الوحدة الوطنية، حيث يشارك فيها الجميع بمن فيهم قوى 14 آذار. واللافت ان حاملي هذا العرض ضمّنوه تفاصيل تتصل بالتركيبة الحكومية المقبلة وبتوزيع الحصص في داخلها

في كل الاحوال بدا واضحاً ان فريق 14 آذار يعرف ان الاسباب التي دفعت الفريق الآخر لابعاده عن الحكم ما زالت حاضرة تمنع نعي التجربة الحكومية الحالية وتستدعي بالتالي حماسة فريق الأكثرية لحقن هذه التجربة بجرعة تنشيط وتفعيل بين فينة وأخرى.