هل من “طرف خفيّ”؟ ومن هُوَ؟ طرابلس تحت المجهر لمعالجة “العوامل الثلاثة” – سمير منصور – النهار


ما حدث في طرابلس لم يكن مفاجئاً، فالمدينة تتعرض منذ فترة غير قصيرة وبشكل متقطع لحملة مركزة فحواها انها تؤوي إرهابيين وعناصر من تنظيم "القاعدة"، وهذا ما شكّل هاجساً لعاصمة الشمال بكل مكوناتها السياسية ولا سيما انه يذكر بحملة مماثلة سبقت الظهور المفاجئ لمجموعات مسلحة تحت اسم "فتح الاسلام" بقيادة شاكر العبسي.


وتلفت مصادر مستقلة في المدينة، الى ما تسميه "حملة تهويل" على المدينة، ومن خلالها على لبنان، وذلك عبر تسريبات تتحدث تارة عن "عدم استبعاد أن تستنجد الحكومة اللبنانية في وقت غير بعيد بسوريا وتطلب مساعدة الجيش السوري للجيش اللبناني لملاحقة مسلحي القاعدة"، وتارة أخرى عن أن "القاعدة في سوريا اليوم وغداً في لبنان" وأن "الجيش السوري إذا وصل الى الحدود في سياق ملاحقته المجموعات المسلحة فلن يتوقف عندها، بل سيتجاوزها".

وإلى الحساسيات التي تتسبب بها هذه التسريبات، فإنها، في رأي المصادر نفسها "لا تخدم تحسين سبل التعاون بين لبنان وسوريا، بل من شأنها نكء الجروح واستحضار مراحل ومحطات سابقة لم تكن في مصلحة قيام علاقة سويّة بين البلدين".

ويبدو واضحاً أن هذه المصادر تضع التفجير المفاجئ في طرابلس في إطار التداعيات الداخلية للأزمة السورية في لبنان بين مؤيدي النظام ومعارضيه، وتسأل عن "سر" التفجير المفتعل على محور باب التبانة – بعل محسن فور قيام حملة الاحتجاج على اعتقال جهاز الأمن العام للمواطن شادي المولوي، وفي موازاة استمرار الاعتصام في ساحة عبد الحميد كرامي احتجاجاً على عدم محاكمة "الاسلاميين" الموقوفين منذ خمس سنوات من دون محاكمة. كما تسأل عن "سر" استمرار الاشتباك مع الجيش فيما كانت مكونات المدينة على اختلافها، موالاة ومعارضة، تطالب بانتشار الجيش وسحب المسلحين؟

كان هناك إذاً، وفق "تشخيص" هذه المصادر "طرف خفي" تعمّد تفجير الوضع في المدينة. والمطلوب من الأجهزة الأمنية، معرفة هذا الطرف للحؤول دون تكرار ما حصل في طرابلس نهاية الأسبوع. على ان "التسريبات" المشار إليها، والتي صدرت عن قريبين من النظام السوري أو المحسوبين عليه، تبدو في معظم الأحيان "متقدمة" على الموقف السوري الرسمي، أقله ذاك الذي يعبر عنه في لبنان السفير السوري علي عبد الكريم علي، والذي غالباً ما يتسم بالهدوء وبالتركيز على تطبيق "الاتفاقات الناظمة للعلاقات اللبنانية – السورية"، ولا سيما لجهة منع تهريب السلاح والمسلحين في الاتجاهين. فهل هو "اجتهاد" لبناني، أم احد أشكال التعبير عن الصراع الداخلي، على خلفية التطورات الجارية في سوريا؟

عن هذا السؤال تجيب مصادر متابعة في طرابلس، قريبة من الأجواء الحكومية، بأن التفجير المفاجئ كان "نتيجة تراكم واحتقان انفجر في طرابلس لأنها تبدو نقطة ضعف وبيئة جاهزة لا تزال تنصبّ الاتهامات عليها من جهات مختلفة"، كما ترى أن ما حصل "يعبّر عن محاولات استدراج الأزمة السورية الى لبنان". وتدافع هذه المصادر بقوة عن موقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وترفض محاولات المزايدة عليه في معالجة الوضع، وتلفت الى انه "منذ اللحظة الاولى لم يأل جهدا في سبيل معالجة الوضع وتأمين الغطاء السياسي لانتشار الجيش، وهذا ما حصل"، كما تنوه بمواقف جميع الاطراف الذين دفعوا في هذا الاتجاه، وقد خصّ الرئيس ميقاتي بالذكر الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة وكل القيادات السياسية في طرابلس.

وليس بعيدا عن اجواء طرابلس، فان مصادر وسطية في الحكومة، ترى في الحديث المبالغ فيه عن وجود "القاعدة" ومنظمات ارهابية في طرابلس "فزاعة" تستحضر "غب الطلب"، وتتقاطع في ذلك مع اوساط قريبة من رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط ترى أن "ما حصل في طرابلس لا يمكن فصله عن مجريات الثورة في سوريا"، وفي اتهام مباشر ترى ان "من غير المستبعد ان يكون النظام السوري ساهم عبر ادواته في تفجير الوضع في طرابلس لصرف الانظار عن الوضع في سوريا"، ملاحظة ان "من رصد وسائل الاعلام في اليومين الماضيين رأى بوضوح كيف ان اخبار طرابلس طغت على اخبار سوريا".

وفي رأي هذه الاوساط ان "الحديث المفتعل عن قاعدة وسلفيين وتطرف وما شابه انما هو تعبير مطاط يستعمل للتوظيف السياسي في وجه كل من يرفع الصوت ضد النظام ويناصر الثورة السورية".

وعلى خلفية الضجة التي اثارها اسلوب توقيف شادي المولوي من جهاز الامن العام تحذر اوساط جنبلاط من "تفريع القرار الامني" وفق ولاءات وانتماءات سياسية قد لا تتطابق بالضرورة مع مقتضيات المصلحة الوطنية".

وايا تكن حقيقة خلفيات ما جرى في طرابلس في الايام القليلة الماضية، فان "العوامل الثلاثة" التي اشار اليها رئيس الحكومة وساهمت في تفجير الوضع في طرابلس، وهي: قضية "الموقوفين الاسلاميين" من دون محاكمة، وطريقة توقيف شادي المولوي، و"الحالة المزمنة بين جبل محسن وباب التبانة" انما تتطلب معالجة جدية في اسرع وقت، وحلها غير صعب على الاطلاق: المباشرة فوراً بمحاكمة الموقوفين الاسلاميين وفتح تحقيق في ملابسات طريقة توقيف المولوي، وانتشار الجيش فعليا على ضفتي شارع سوريا بين التبانة وجبل محسن، وفي عمق المنطقتين طبعا، والا عبثا يحاولون!