أولوية الحريري استرداد “الهيبة الزرقاء”.. وليس الحوار – نبيل هيثم – السفير


عندما طرح الرئيس نبيه بري فكرة الدعوة إلى عقد طاولة حوار برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، لبحث الوضع المستجد في طرابلس، اعتقد كثيرون انها منسقة مع السفير السعودي علي عواض عسيري، خاصة أن رئيس مجلس النواب تقصـّد الإضاءة على الإيجابية التي قابل فيها ضيفه الخليجي فكرته بإعادة إطلاق الحوار الداخلي، ووعده له بمراجعة حكومته وإجراء اتصالات مع الجهات المعنية لإنجاحها.


يقول مقربون من بري إنه أراد من فكرته تحريك المياه السياسية الراكدة واستكشاف نيات الأطراف إزاء إعادة التئام الحوار من بوابة طرابلس من دون تجاهل جدول الأعمال الأساسي ببنوده المتوافق عليها أو التي ما زالت قيد خلاف لبناني لبناني.

بدا واضحا أن بري وفّر على رئيس الجمهورية عناء إطلاق الدعوة وأن تقابل بالرفض، وذلك بتحوله الى خط دفاع أمامي عن فكرة الحوار، وهو الذي كان مبادرا الى إطلاقه قبل ست سنوات ونيف، حتى إنه لم ينظر الى ردود الفعل التي صدرت في الأيام الثلاثة الماضية بصورة سلبية بل اعتبرها إيجابية ومنسجمة مع مبادرته.

وسريعا، تناغم حلفاء بري معه على قاعدة أن ما بلغته طرابلس في الأيام الأخيرة يحتاج إلى إجراءات استثنائية سريعة وأولها توفير الحماية السياسية للجيش والدفع باتجاه إجراء مصالحة حقيقية بين أبناء المناطق المتنازعة، علما أن بعض الحلفاء، وتحديدا "تكتل الإصلاح والتغيير" كان قد سبق له أن أبدى تحفظات على اي حوار يديره الرئيس ميشال سليمان، "لكن للضرورة الوطنية أحكامها" يقول أحد نواب "التكتل البرتقالي".

وبسرعة مماثلة، تلقف وليد جنبلاط الفكرة، لعلها تشكل في رأي الزعيم الدرزي مفتاحا لحوار أشمل وأعم، وكذلك من قبل الرئيس نجيب ميقاتي الذي وجدها فرصة تأتي في توقيتها المناسب لنزع فتيل الاشتباك الطرابلسي أولا، والانتقال بمدينته الى بر الأمان عبر سيادة منطق المصالحة التي تطوي بشكل نهائي صفحة الخلاف التاريخي بين التبانة وجبل محسن ثانيا.

ولم تمض أربع وعشرون ساعة، حتى كان سعد الحريري يقطع الطريق على فكرة بري بإعلان رفضه أي بحث بعنوان السلاح خارج معادلة إيجاد حل لسلاح "حزب الله" أولا. ولعل السؤال المطروح هو لماذا لم يوافق الحريري على حوار بري، فيما طرابلس مأزومة وتجلس على برميل بارود قابل للاشتعال والامتداد الى غير منطقة لبنانية بدليل ما حدث في عكار أمس؟

يتوقف المعنيون أمام ملاحظة شكلية مفادها أن رفض الحريري للحوار المطروح من قبل رئيس المجلس جاء في الوقت الذي ينتظر فيه بري نتائج حركة الاتصالات التي وعد السفير السعودي بإجرائها سواء مع حكومته أو مع المعنيين، والمقصود بالمعنيين هنا سعد الحريري. فهل إن الحريري نطق برفضه الحوار بلسان الحريري نفسه ام بلسان السعودية، ولماذا تعمدت جهات ديبلوماسية عربية تعميم مناخ سعودي داعم للحوار.

أما في المضمون، فإن رفض الحريري يمكن أن يندرج في الآتي:

أولا، خشية الحريري أن تصيب الدعوة للحوار منه مقتلا سياسيا وشعبيا وطرابلسيا، فإن كتبت لها الحياة وطبقت على أرض الواقع، فسيظهر بري ومعه حلفاؤه أحرص على الطرابلسيين من الحريري نفسه، وبالتالي لن يبيعها لرئيس المجلس بل أقله لرئيس الجمهورية.

ثانيا، يخشى الحريري أن تشكل فكرة بري فرصة لإنقاذ نجيب ميقاتي وحكومته، خاصة أن الحدث الطرابلسي أحرج رئيس الحكومة والوزراء الأربعة وأربكهم.

ثالثا، يتجاهل الحريري كليا مقولة "الضرورات تبيح المحظورات"، خاصة أنه ما يزال عالقا بين قضبان قراره القاضي بالثأر ممن أطاحوه وأسقطوه عن عرش الحكومة وفي مقدمهم "حزب الله" ونجيب ميقاتي، وبالتالي فهو ألزم نفسه بشعار أن لا حوار إلا تحت عنوان وحيد هو سلاح المقاومة. وهو لا يريد حوارا إلا ذاك الذي يحقق هدف إخراج هذا السلاح من المعادلة الداخلية، فالحريري لا ينظر الى هذا السلاح على أنه سلاح وطني في وجه العدو الإسرائيلي بل سلاح متحالف مع النظام السوري ويستخدم للتهديد وقلب الموازين الداخلية في لبنان.

رابعا، لقد تلقى الحريري في طرابلس ضربة معنوية قاسية، بعدما ظهـّرت أحداث المدينة عدم إمساكه وحيدا بزمام قيادة السفينة الشمالية، بل ظهـّرته واحدا من جزئيات المشهد الى جانب السلفيات المتنامية من حوله والتي تكاد تسحب البساط من تحت رجليه في الخزان البشري الذي لطالما استثمر عليه في حضوره السياسي منذ العام 2005. والدخول في الحوار حول طرابلس معناه الاعتراف بكل الحقائق والجزئيات التي أفرزتها الأحداث.

خامسا، ان احداث طرابلس وسعت مساحة الهواجس لدى الحريري الى حد استشعاره ان "الزعامة" باتت على المحك.

يستنتج المتابعون لردات الفعل على مبادرة بري أن الحريري ليس جاهزا للحوار الآن، وقد لا يجهز الا عندما تجهز السعودية. وهذه الأخيرة، متورطة في الاشتباك مع النظام السوري، وأقصى ما يمكن أن توافق عليه لبنانيا استمرار سياسة "النأي بالنفس" وليس الانخراط الإيجابي، بطريقة تؤدي الى "ترييح" حلفاء سوريا في لبنان ومن خلالهم النظام السوري