الجيش والحكومة و«المستقبل» على خطوط التماس – هيام القصيفي – الأخبار

ثلاثة متضررين من احداث الشمال، والمعالجات تحاول الوصول الى حلول ناجعة تنقذ الاطراف الثلاثة، لأن الخطر دهم الجميع، والاتصالات لا تبدو حتى الآن مشجعة

منذ اللحظات الاولى لتوقيف شادي مولوي، وما تلاه من تداعيات امنية خطرة في طرابلس، تحدثت دوائر امنية مطلعة عن احتمال الافراج عنه، لاسباب قانونية ولعدم اكتمال عناصر الادلة ضده. لكن الدوائر نفسها كانت تعلم ان سبب الافراج اولاً وآخراً سياسي، واصبح حتمياً بعد احداث عكار ومقتل الشيخ احمد عبد الواحد، لأن هذه الاحداث لم تنفجر في وجه تيار المستقبل فحسب، بقدر ما انفجرت في وجه رئيس الوزراء نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي، والوزراء الشماليين.




وتبعاً لذلك لم يكن يعتقد احد من الامنيين ان ميقاتي والصفدي قادران على تحمل وزر ما حدث وتداعياته على وضعهما كنائبين ومرشحين للنيابة. لكن طريقة الافراج والظروف التي احاطت بها ولا سيما ارسال امنيين لمرافقة مولوي، وضعت كل الاجهزة الامنية في حرج شديد. ففيما كانت الشاشات تنقل عملية الافراج مباشرة، كان قادة عسكريون كبار يتفرجون متأسفين ومتسائلين عن الصفقة وعن اي جهاز امني سيتمكن من الآن وصاعداً من الاقتراب مئة متر من منزل اي مشتبه اصولي او غير اصولي. لكن اطلاق مولوي لم ينه كل التداعيات التي انتجتها احداث طرابلس والتي اسست للتوتر الذي انفجر في عكار، واسفرت عن جملة محطات مفصلية.

اي دور عربي لميقاتي؟

تعامل بعض الافرقاء داخل الحكومة مع احداث الشمال منذ اللحظة الاولى على انها موجهة ضد الحكومة، للدفع بها نحو الاستقالة، استكمالاً للضغط السياسي الذي سبق الاحداث لتشكيل حكومة تكنوقراط. وساهم حياد رئيس الجمهورية وانكفاء رئيس الوزراء نجيب ميقاتي في رسم علامات استفهام كثيرة، جعلت القوى الاساسية في الحكومة تمتنع عن مقاربة الوضع، لأسباب موضوعية كحزب الله وتكتل التغيير والاصلاح. وبدا اكثر من طرف حريصاً على عدم دفع رئيس الوزراء لاتخاذ خطوات متشددة في ملف الشمال، نظراً الى الاحراج الذي كان يعانيه الاخير بين مراعاة بيئته الشمالية ودوره كرئيس حكومة، واحتمال ان يلجأ نتيجة ذلك الى تقديم استقالته. وعزز هذا التخوف أن بعض اخصامه قارنوا بين أدائه وبين التصدي الذي قاده الرئيس فؤاد السنيورة خلال مفصلين اساسيين، حرب تموز واحداث 7 ايار، منتقدين عدم قيامه بخطوة استثنائية لاستيعاب الوضع الشمالي او حتى طريقة معالجته الضغط العربي على لبنان، وخطأه ارسال وزير الخارجية عدنان منصور الذي اصطدم اكثر من مرة بنظرائه العرب في الاجتماعات العربية لوقوفه الى جانب النظام السوري.
جاءت دعوة تيار المستقبل ميقاتي الى الاستقالة لتنقذ شركاء ميقاتي في الحكومة، وهم تنفسوا الصعداء امس، لأن دعوة اخصام ميقاتي قلبت الادوار وجعلته مزمعاً على التشبث اكثر في الانصراف الى دوره كرئيس للوزراء. رغم ان ثمة تهيباً كبيراً لكيفية مقاربة الضغط العربي اقتصادياً وسياسياً وديبلوماسياً، ولا سيما ان الجو العربي بدأ يتعامل مع الحكومة فعلياً على اساس أنها حكومة حزب الله.. فهل يمكن ان يتخطى ميقاتي الدور الذي رسمه لنفسه بالنأي عن النفس من اجل لعب دور يوازي خطورة المرحلة، عربياً ودولياً؟

الجيش.. لا خطوط حمر ولا انسحاب

لعل اول من اصابته سهام التضعضع الحكومي في معالجة احداث الشمال كان الجيش، وهي اصابته كما اصابته الازدواجية التي سمعها من بعض نواب تيار «المستقبل»، وعلى شاشة الأخير.
في الاجتماع الامني الاخير برئاسة رئيس الحكومة بقّ قائد الجيش البحصة في تناوله احداث الشمال واعادة التذكير دوماً بـ7 ايار. في 7 ايار لم يكن قهوجي قائداً للجيش، وتاليا لا يقبل الجيش ان يكون مكسر عصا في احداث لا صلة له بها. واستطراداً اي خطأ وقع في عكار هو مدار تحقيق مفصل. لكن القصة لم تبدأ في حلبا بل في طرابلس. اتخذ قائد الجيش منذ اللحظة الاولى لاندلاع الاحدات قراراً بعدم السماح بهدر نقطة دم واحدة. تبلغ القادة الميدانيون ذلك، لا مجال للخطأ وممنوع سقوط قتلى. كان الجو محموماً في عاصمة الشمال، ما دفع قيادة الجيش الى التريث قبل استكمال عملية الانتشار من اجل سد كل الثغر وعدم السماح بأي تجاوزات تؤدي الى سقوط قتلى، ما ادى الى تأخير الانتشار الكامل في انتظار نضوج الاتصالات التي ساهم فيها نواب المدينة الذين يشهد لهم تطويقهم اي مضاعفات والتعامل معها بمسؤولية مثلهم مثل مسؤولي تيار «المستقبل». الاوامر نفسها تكررت في عكار. لكن هناك وقع الخطأ القاتل، ويوجد اكثر من طرف يتحمل مسؤوليته.
فعشية الاعتصام الذي دعا اليه النائب خالد ضاهر رداً على دعوة الحزب السوري القومي الاجتماعي، اتصل الشيخ احمد عبد الواحد بالضابط المكلف متابعة الاتصالات في قيادة الجيش، سائلا اذا كانت الاتصالات توصلت الى ارجاء القوميين احتفالهم، فكان الجواب سلبياً. فالقومي رغم المراجعات الامنية والسياسية المتكررة لم يشأ ارجاء احتفاله، والامر نفسه حصل مع ضاهر. الا ان عبد الواحد بدا ميالاً الى تأجيل الاعتصام.
لعبت قيادة الجيش وتيار المستقبل دوراً محورياً في الاتصالات لتأجيل الحدثين العكاريين، ولما لم تفلحا، شددت قيادة الجيش على ضباطها بضرورة التشدد في التدابير الامنية وفي منع وصول السلاح الى مكاني الاعتصام.
ما حدث على حاجز بلدة الكويخات لا يزال مثار تحقيق، لكن الاكيد أن ثمة ثلاثة ضباط موقوفين، مسيحي وشيعي وسني ومعهم تسعة عشر عسكرياً، سبعون في المئة منهم من الطائفة السنية من الشمال. وأسوأ ما في الحادث اضطرار المعنيين الى الحديث عن هوية الضباط والعسكريين، لمنع توجيه السهام تجاه اي طرف سياسي. وفي موازاة التحقيق لتحديد كامل المسؤوليات هناك ابعد من القضية على فداحتها. هناك اليوم تهديد موجه الى قائد الجيش والى قائد الفوج المجوقل والعناصر الموجودة على الحاجز. من هنا تكمن خطورة الوضع الشمالي. لكن ما بات مؤكداً أن الجيش وللمرة الألف لن ينسحب من الشمال ومن عكار تحديداً وهو استمر في تسيير دورياته، لاعادة الامور الى طبيعتها. وما اصبح مؤكداً ايضاً ان قيادة الجيش لن تسحب اي قطع عسكرية تحت الضغط، مع العلم ان فوجي المجوقل والمغاوير لا ينتشران كبقية الافواج، بل يتدخلان في مهمات خاصة. وحالما تنتهي مهمتهما سينسحبان. والامر نفسه ينطبق على المطالبة بتغيير قادة الافواج. فقائد المجوقل كان محتماً تغييره بسبب ارتفاع رتبته، لكن القيادة لن تتصرف تحت اي ضغط. اما بالنسبة الى بقية الضباط، سواء الميدانيون او التابعون لمديرية المخابرات، فثمة حادثة مشابهة حصلت سابقا في مار مخايل ولم يتغير قادة القطع او مخابرات جبل لبنان، بل احيل الضباط المسؤولون الى المحاكمة وانتهت القضية عند هذا الحد.

«المستقبل» بين نارين

بدت قيادة المستقبل، وتحديداً الرئيس سعد الحريري، حاسمة في خيارها الوقوف الى جانب الجيش ومنع استهدافه وتطويق ذيول ما حدث. منذ اللحظة الاولى للانفجار، كان الخط مفتوحاً بين الحريري وقيادة الجيش. ابلغ الحريري محدثيه وقوفه الى جانب المؤسسة، كذلك فعل النائب وليد جنبلاط الذي فتح خطوط اتصاله مع القيادة والدوائر المعنية، محذراً من فخ يرسم للجيش. يخاف جنبلاط، مثله مثل الحريري، من انفلات الشارع الشمالي والاصولي تحديداً. لذا سعى الحريري، ومعه مقربون منه سياسيون وأمنيون، الى احتواء تداعيات الاحداث كي لا يفلت الشارع الشمالي من يده. وبدا اقرب المقربين اليه قلقين من انجرار الصوت السني وراء الخط المتطرف على حساب الاعتدال الذي سعى الحريري الى تثبيته، وفي نبرتهم عتب على حزب الله الذي حذروه منذ اشهر من مغبة سياسته التي افرزت هذه الظاهرة الشمالية. واستدرك نواب المستقبل بعد ساعات خطورة ما جرى ولا سيما بالنسبة الى كلام النائبين خالد ضاهر ومعين المرعبي وبدأت الاتصالات واللقاءات التوضيحية. لا يريد المستقبل استهداف الجيش بل وصول التحقيق الى نهايته. وهو يريد حكماً استعادة الشارع السني من يد من خرج من رحمه نواباً ومسؤولين، لأن فداحة ما تعرض له شمالاً، تنعكس على جمهوره وجمهور حلفائه من مسيحيي 14 آذار. لكن التحدي يكمن في قدرته على مجابهة التطويق العربي الجديد للبنان.