بدأ تزوير الانتخابات .. «تشريع» إنقلاب إنتخابي وتغيير ديموغرافي خطير

الجمهورية




هل بدأ تزوير الانتخابات النيابية منذ الآن؟ وهل يدرك وزير الداخلية مروان شربل أنّه يتحمّل المسؤولية التاريخية شريكاً في تزويرها وتغيير وجه لبنان؟ وهل أقدم على هذه الخطوة الخطيرة بضغط أو إيحاء جهة معيّنة؟ وأين تقف القوى السياسية والمناطق المستهدفة بالتزوير ووضع اليد عليها؟


بداية الفضيحة الكبرى، أنّ شربل أصدر مذكّرة تحمل الرقم 597/ص.م. تاريخ 21 نيسان الماضي، يلزم فيها المخاتير "عدم رفض أيّ عملية نقل نفوس من بلدة إلى أخرى ضمن أيّ ذريعة، وترك أمر التحقيقات والتثبّت من واقع المعلومات المعروضة في ملفّ نقل النفوس إلى الجهات المعنية وفقاً للأصول القانونية".

ماذا تعني هذه المذكّرة؟

أوّلاً: في المضمون

1- تبيح هذه المذكّرة نقلاً جماعيّاً منظّماً للنفوس بين الطوائف والمناطق بحيث تخدم غايات سياسية، وتُشرّع أبواب المناطق أمام الأكثرية العددية بطرق ملتوية ومموّهة بشعارات قانونية.

2- تشكّل هذه المذكّرة انقلاباً انتخابيّاً بكلّ معنى الكلمة، ومن شأنها تغيير وجوه بلدات وقرى عدّة طائفيّاً ومذهبيّاً وسياسيّاً.

3- تشجّع التهجير وتقطع كلّ أمل في عودة المهجّرين، قسراً أو طوعاً، إلى قراهم من خلال نقل نفوسهم بموجب المذكّرة وبكلّ سهولة إلى أماكن سكنهم الحاليّة.

4 – تشجّع نقل أبناء الضاحية والبقاع إلى بيروت وضواحيها بدلاً من أن يحافظوا على بلداتهم وقراهم.

ثانياً: في التوقيت

إنّ إصدار المذكّرة في شهر نيسان يهدف إلى إعطاء الوقت الكافي للجهة التي تخطّط للاستيلاء على البلد، لتنظيم أكبر عملية نقل نفوس قبل تاريخ 15 كانون الأوّل تاريخ إقفال لوائح القيد، ولا يمكن بالتالي بعد هذا التاريخ إجراء إضافات عليها بموجب نقل نفوس.

ثالثاً: في الوقائع

إنّ المذكّرة التي قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة وغايتها تسهيل شؤون المواطنين ضمن القانون، تخفي أسباباً وخلفيّات سياسية وطائفية كبيرة، لأنّها تقلب موازين القوى رأساً على عقب وتتلاعب بأعداد الناخبين وأصواتهم من خلال النقل الديموغرافي المنظّم.

1 – فعلى سبيل المثال، يكفي نقل نفوس نحو ثلاثة آلاف صوت من لون واحد في دائرة بيروت الأولى، حتى تفوز قوى 8 آذار باللائحة الكاملة المؤلّفة من خمسة نوّاب، خصوصاً أنّ الفارق في الانتخابات النيابية الماضية كان على الشكل الآتي: 19985 صوتاً للفائز الأوّل في 14 آذار في مقابل 17209 أصوات للخاسر الأوّل في 8 آذار.

2 – في دائرة بيروت الأولى لم تحصل معركة، لكن إذا ما تمّ نقل نفوس نحو 12 ألف نسمة إليها من الجنوب والبقاع، حينئذ ستكون معركة وستكون لمصلحة 8 آذار لأنّ الفائز الأوّل في الانتخابات الماضية نال 16583 صوتاً.

3 – في زحلة حيث سبعة مقاعد وقد فاز مرشّحو 14 آذار بالكامل في الانتخابات الماضية ونال الأوّل منهم 48500 صوت في مقابل 41500 صوت، فإنّ نقل نفوس مكثّف ومبرمج بنحو 7 آلاف صوت يقضي على لائحة 14 آذار بكاملها، عِلماً أنّ عدد سكّان الشيعة مثلاً يناهز الخمسين ألفاً فيما صوّت منهم 11823 ناخباً في العام 2009.

4 – وفي المتن والمناطق التي نجح فيها أساساً مرشّحو 8 آذار، يقضي نقل النفوس الجماعي على كلّ أمل شعبي في التغيير، مع أنّ الفارق في التصويت لم يكن كبيراً.

5 – حتى في دائرة عاليه، يشكّل نقل النفوس إلى الشويفات والعمروسية وجوار عاليه نفسها تهديداً جدّياً يطيح الخريطة الانتخابية التقليدية في عاليه.

6 – وهناك كثير من البلدات التي قد يتمّ اجتياحها بنقل النفوس. ففي الحدث هناك نحو أربعة آلاف مسكن من غير طائفة أبنائها، أي أنّ هناك نحو 12 ألف صوت إذا ما حسبنا أنّ كلّ مسكن فيه أب وأم وولد ينتخبون. وفي الشياح هناك ألفا بيت، وفي الجديدة أكثر من خمسة آلاف شخص جاهزون لنقل نفوسهم إذا ما أتى الأمر بذلك.

رابعاً: في العرف والأصول

تولّى وزراء الداخلية بعد اتّفاق الطائف وفق صلاحيّات منحها لهم القانون، ضبط عمليّات نقل النفوس وتحديد أعدادها بحيث لا تتحوّل إلى تغيير ديموغرافي طائفي مذهبي خطير، فكان الوزير، وهو يمثل الحكومة، يقبل طلب نقل النفوس ويحوّله وفق الأصول إلى الشرطة أو الدرك للتحقيق في صحّته قبل اتّخاذ القرار المناسب في قبوله أو رفضه.

وبذلك، يكون الوزير أميناً على عدم حصول نزوح اجتماعي كثيف، ولا وضع يد من وافدين جدُد على بلدات وقرى لها أهلها وتاريخها وثقافتها وهويتها وخصوصيتها. وقضى العرف أن يحترم وزير الداخلية الضرورات الموجبة بحيث لا تنتج عمليّات نقل النفوس إلى بلدات معيّنة تغيير نتائج الانتخابات النيابية والبلدية فيها. وفي هذه المذكّرة، يتخلّى وزير الداخلية عن السلطة الاستنسابية التي يتمتّع بها وتخوّله ضبط الأمور إلى المختار.

خامساً: ماذا يقول السياسيّون؟

وفي هذا الإطار، يؤكّد نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية سجعان قزي لـ"الجمهورية"، أنّ "عملية نقل النفوس بهذه الطريقة أمر ممنوع ومخالف للقوانين"، مُذكّراً بأنّ "مجلس الوزراء كان قد اتّخذ قراراً عام 2008 – 2009، منع بموجبه نقل النفوس من بلدة إلى أخرى، لأنّه تبيّن وجود تلاعب في عملية نقل النفوس لأسباب أمنية وانتخابية"، لافتاً إلى أنّ "العودة عن هذا القرار تتطلّب، في ظلّ الظروف الأمنية والسياسية القائمة، قراراً يصدر عن مجلس الوزراء، حتى ولو كان الأمر في الظروف العادية مرتبطاً بمرسوم يصدر عن الوزير".

ويستغرب قزي أن يكون شربل قد اتّخذ هذا القرار "الآن في عزّ الانفجار الأمني الحاصل في البلد من الشمال إلى الجنوب مروراً ببيروت"، مُعرباً عن اعتقاده بأنّ "الأمور لا تسير بهذه السهولة، باستثناء الذين اضطرّوا أثناء الحرب إلى نقل نفوسهم من مكان إلى آخر، ويريدون العودة إلى مسقط رأسهم الذي تهجّروا منه لأسباب أمنيّة، وبالتالي لا يجب أن تتحوّل عملية نقل النفوس إلى مرسوم تجنيس آخر".

ويشدّد قزّي على أنّ "العودة عن القرار، لا تتطلّب سطرين من الوزير شربل على غرار بيانه، إنّما تتطلب مؤتمراً يشرح فيه الأسباب الموجبة، وعندها يمكن أن نُصفّق له بقوّة أو أن نعارضه". ويضيف: "كنّا نتمنّى لو أصدر وزير الداخلية قراراً بتعيين المحافظين والقائم مقامين وتعيين الموظفين في إدارات وزارة الداخلية الشاغرة. فنحن دخلنا سنة انتخابية ولا يجوز التلاعب في سجلّات النفوس، وهذا قرار غير بريء ولا شكّ أنّ هناك قطبة مخفيّة"، مشيراً إلى "أنّنا انتظرنا منه توجيه مذكّرة إلى المختارين يحضّهم فيها على عدم بيع العقارات للأجانب والتي بمجملها مخالفة للقوانين وللكوتا المخصّصة للأجانب". ويختم: "حتى إشعار آخر، نعتبر أنّ هذا القرار يمسّ بنزاهة الانتخابات المزمع إجراؤها ويبرّر المطالبة بتغيير هذه الحكومة لتأتي حكومة تحوز على الثقة والصدقية".

بدوره، يلفت عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب طوني أبو خاطر في اتّصال مع "الجمهورية" إلى أنّ دعوة شربل "تعني نقل أهل الشوف والجنوب نفوسهم إلى بيروت، وهذا يعني فرزاً طائفيّاً بشكله الحقيقي". ويقول: "في السابق مُنع أيّ شخص من نقل نفوسه بهدف تهدئة النفوس لا إشعالها. وهذا يندرج في إطار الحفاظ على روح العيش المشترك وعدم تغليب كفّة فريق على آخر أو أن نصبح إقطاعيّات مثلاً".

ويحذّر أبو خاطر من أنّ "هذا القرار سينعكس سلباً على كلّ المناطق والمحافظات وليس على بلدة دون سواها، وهو يساعد على إفراغ مناطق وملء أخرى لأهداف سياسية بحتة، والمجتمع اللبناني ليس مؤهّلاً لهذه النقلة المناطقية"، مؤكّداً أنّ "مدينة زحلة المعروفة بطابعها المسيحي الكاثوليكي، هي أيضاً المكان الذي تلتقي فيه الطائفتان السنّية والشيعية، إذ إنّ شمالها شيعي وجنوبها سنّي، وهناك سباق انتخابي في هذا المنطقة خصوصاً في ظلّ الشحن السياسي والمذهبي الحاصل بين الجهتين، بحيث تريد كلّ فئة أن تتغلّب على الأخرى".

ويوضح أنّ "هذا القرار يعني أنّ الشيعة يستطيعون نقل نفوسهم من البقاع الشمالي إلى زحلة، والسنّة من البقاع الغربي إلى زحلة أيضاً"، مضيفاً: "أنا أتحدّث عن زحلة لأنّها تعتبر بيضة القبّان، فهي التي أعطت الأكثرية السابقة أكثريتها على رغم أنّها لم تستطع فعل شيء"، مشدّداً على أنّ طرح شربل "ليس بريئاً في توقيته. وعلى شربل أن يأخذ بآراء الجميع لا أن يقرّر ما يريده، فنحن في نظام شورى لا نظام الحكم الواحد". ويختم: "إذا حصل هذا الأمر فعلاً، عندها سنكون أمام مشهد شبيه بمعركة "داحس والغبراء".

ويكشف أنّ "المخالفة هي في الأعراف السياسية وليس في القانون، وهناك اتّفاق سياسي جرى في زمن الرئيس الشهيد رفيق الحريري يمنع أيّ خلل ديموغرافي في المناطق"، مُذكّراً بأنّ أحد نوّاب الجنوب كان يحاول نقل نفوس مواطنين شيعة في بيروت الى قريته الجنوبية، يومها طلبت من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي وقف هذه العملية لأنّها كانت خارج الاتّفاق". ويؤكّد فتفت أنّ "احترام هذا الاتّفاق أمر جيّد لكي لا يحصل فصل مناطقي أو مذهبي في البلد".

سادساً: تدارك الخطيئة

ما زال في إمكان الوزير شربل تصحيح هذا الخطأ الكبير بإلغاء المذكّرة فوراً واسترداد صلاحيته الاستنسابية عشيّة الانتخابات النيابية، والإبقاء على طلبات نقل النفوس مجمّدة إلى ما بعد الانتخابات لتُدرس بعدها من النواحي المذهبية والديموغرافية