هكذا أخطأ تيار «المستقبل» في الزمان والمكان! – طارق الترشيشي – الجمهورية

يقول سياسي لبناني مخضرم عايش الحرب اللبنانية منذ بدايتها أنّ أحداث «الطريق الجديدة» في بيروت ليل الأحد الماضي والتي استهدفت مقرّ «التيار العربي» الذي يرأسه شاكر البرجاوي، ستُشكّل مصدر إحراج لتيار «المستقبل» خصوصاً، ولقوى 14 آذار عموماً، على رغم كلّ المظاهر المخالفة.

ويعتبر هذا السياسي أنّ تيار "المستقبل" وحلفاءه في بيروت قد أخطأوا في الزمان والمكان معاً، وستثبت الأيام المقبلة آثار هذا الخطأ على وضعهم السياسي والشعبي. فمن حيث الزمان جاءت هذه الأحداث لتصرف الأنظار عمّا جرى في الكويخات (عكار) وأدى الى مقتل الشيخ أحمد عبد الواحد ومرافقه الشيخ محمّد حسين مرعب، والتي كان ممكناً أن تتحوّل كرة ثلج لو لم توقفها النيران التي اشتعلت في بيوت وسيارات محيطة بمقرّ البرجاوي في الطريق الجديدة.




أمّا المكان الذي اختاره "المستقبل" وحلفاؤه فهو في منطقة تعتبر عريناً سياسيّاً وانتخابياً له، إذ تساءل كثيرون من أبناء هذه المنطقة عن سرّ هذه الغابة من السلاح التي ظهرت في منطقتهم لتخوض معركة ضارية ضد مكتب حزب يضمّ عدداً من شبان هذه المنطقة أدّى إلى أضرار لحقت بكثير ممّن كانوا يزحفون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب لائحة الرئيس سعد الحريري "زي ما هيي".

ويقول هذا السياسي المخضرم إنّ تيار "المستقبل" يبني خطابه السياسي التحريضي على مسألتين: أوّلهما رفض السلاح، بل ربّما رفض الانتخابات في ظلّ السلاح، فإذا برافضي السلاح يستخدمون كمّيات كبرى منه في منطقة آمنة بذريعة مهاجمة مكتب حزب سياسي مرخّص له.

أمّا المسألة الثانية فهي ما جرى في 7 أيار 2008، إذ يكرّر خطاب "المستقبل" التذكير دائماً بما جرى في العاصمة من هجوم مسلّحي المعارضة آنذاك على مقاره فيها، فبعد ما جرى في الطريق الجديدة أمس الأول أصبح هناك "7 أيار آخر" على يد من أمضى 4 سنوات يُذكّر بـ 7 أيّار الأول.

ويضيف هذا السياسي: "لقد بات هناك سلاحان لا سلاح واحد، ولكن للسلاح الذي يهاجمه تيار "المستقبل" قضية ومبررات، فما هي قضية سلاح الزواريب ومبرّراته، وإذا كان أنصار "المستقبل" لا يملّون من التذكير بـ 7 أيار 2008 ، فإنّ معارضيهم في بيروت لن يملّوا بعد اليوم من التذكير بـ 20 أيار 2012.

ومن الأخطاء التي ارتكبها تيار "المستقبل" أيضاً، أنّه فيما كان يركّز في خطاب بعض نوّابه على الجيش اللبناني وقيادته متّهماً إيّاه باغتيال الشيخين في الكويخات، فإنّ أهالي المنطقة المحيطة بمقرّ "التيار العربي" في الطريق الجديدة يستغربون كيف استمرّت المعارك ساعات عدّة ولم يتدخّل الجيش لحسمها، الأمر الذي فسّره البرجاوي بأنّه ربما يعود إلى "الإحراج" الذي أحسّت به قيادة الجيش بعد حادث الكويخات وما رافقه من حملات وصلت إلى حد الدعوة إلى إخراج الجيش من عكار، والى تشكيل "جيش لبناني حر" على رغم أنّ الجيش تاريخيّاً يعتمد في عديده على أبناء عكار.

ويعتقد هذا السياسي المخضرم "أنّ استهداف مقرّ البرجاوي قد كان من النوع الذي ينطبق عليه المثل الصيني: "الضربة التي لا تميتني تزيدني قوة"، فقد خرج البرجاوي من هذه المعركة "رمزاً للبيروتي السنّي المقاوم والمواجه لتيار "المستقبل" وحلفائه. وكان هذا الاستهداف للبرجاوي فرصة لكي يتذكّر أبناء الطريق الجديدة مقاتلاً من أبنائهم يحمل على جسده آثار النابالم الإسرائيلي حين شارك في مواجهة الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982.

وذكّر هذا الاستهداف أيضاً بأنّ البرجاوي الذي سُجن في سوريا 7 سنوات، هو "أبو بكر" الذي التهبت سماء الطريق الجديدة بالرصاص يوم رُزق ببكر في أواسط الثمانينيّات كنوع من رفض أهل بيروت لاستباحة الميليشيات لمدينتهم التي تذكّر أيضا أنّ البرجاوي والشيخ الراحل عبد الحفيظ قاسم رئيس "اتّحاد العلماء المسلمين" كانا شريكين في إطلاق حركة 6 شباط 1984 ضدّ حكم الرئيس أمين الجميل آنذاك، لتجد نفسها وقد تخلّى عنها الحلفاء في تلك الانتفاضة".

وعلى رغم محاولات تيار "المستقبل" نفي علاقته بالاشتباكات المسلّحة ليل أمس الأوّل وإصرار نوابه على الحديث عن أنّ الأهالي هم الذين هاجموا البرجاوي بالقذائف الصاروخية والقنابل اليدوية وبذخيرة لم تنضب، فإنّ من بين الجرحى الذين سقطوا في الهجوم شبّاناً جاؤوا من مناطق بعيدة عن منطقة الجامعة العربية، بل عن الطريق الجديدة نفسها ناهيك عمّا قيل إن من بينهم "فلسطينيين متحالفين مع فريق 14 آذار وسوريين معارضين لنظام الرئيس بشار الأسد".

مجمل هذه الوقائع، يقول السياسي المخضرم، "يمكن أن تتشكّل "كرة ثلج" تتدحرج في شوارع بيروت لغير مصلحة تيار "المستقبل"، وتحفر جروحاً يُعرف كيف تُفتح ولكنّ أحداً لا يعرف كيف يمكن إغلاقها". ويضيف: "إنّ موقف "حزب الله" وحركة "أمل" الذي نأى بالتنظيمين عن المشاركة في هذه المعركة، وعن الانتصار العسكري لحليف محسوب عليهما، قد سحب ذريعة التحريض المذهبي من يد تيار "المستقبل" الذي لا يستطيع الحديث عن معركة مذهبيّة في بيروت، أو حتّى في عكار، إذ لا وجود أصلاً للحركة والحزب فيها".

ويلفت السياسي إيّاه إلى أنّ قرارات سحب رعايا بعض الدول الخليجية من لبنان قد صدر عشية هذه الأحداث الخطيرة التي شهدتها عكار وبيروت ما يسمح لسيّئي الظن بأن يعتبروا أنّ هذه القرارات إمّا مقدمة لهذه الأحداث، أو أنّ أصحابها عالمون بتطورات جارية في لبنان. واللافت في هذا المجال موقفان لافتان: الموقف السعودي الذي نأى بنفسه عن مثل هذه القرارات بعد أن أكّد سفيره علي عواض عسيري أنّ حكومته لا تجد مبرّراً لسحب الرعايا السعوديين من لبنان، وإنّ السلم الأهلي في لبنان خط أحمر.

أمّا الموقف اللافت الآخر، فهو ما أعلنته الخارجية الروسية من "أنّ القوى التي فشلت في زعزعة الاستقرار في سوريا توجّهت إلى زعزعة الاستقرار في لبنان".

فهل نحن أمام ساحة لبنانية جديدة تنعكس عليها نزاعات إقليمية وعربية حاولت الحكومة تجنّبها منذ عام ونصف عبر سياسة النأي بالنفس؟ وهل هناك من يريد أن يعبّر عن انزعاجه من توجّه دولي نحو حلّ سياسي في سوريا، حسبما جاء في بيان قمة الثماني الكبار في كمب ديفيد، فأراد تفجيراً في لبنان في وقت لم تنجح خطط إسقاط النظام في سوريا؟

لقد كان لافتاً في هذا المجال الردّ القوي والسريع لمكتب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على بيان "نواب بيروت" الذي حمّله مسؤولية الأحداث في الشمال وبيروت متجاهلاً حتى اعتراضه على اتّهامات مندوب سوريا في الأمم المتحدة الدكتور بشّار الجعفري.

فالذين يعرفون هدوء ميقاتي وسِعَة صدره في وجه منتقديه لاحظوا أنّ في رده نَفَساً جديداً قد ينطوي على تطورات بالغة الأهمية ستظهر معالمها في قابل الأيام.