«مهازل».. صوتها عال في حلبة السياسة الجادة – إياد أبو شقرا – الشرق الاوسط


إن الزرازير لما قام قائمها




توهمت أنها صارت شواهينا

(صفي الدين الحلي)

هناك أمور معتادة في عالم السياسة. فحتى في أرقى الديمقراطيات توجد عداوات تستعصي على الالتئام، وأحقاد يعجز أحيانا أذكى الساسة عن إخفائها.

حتى في أرقى الديمقراطيات يمكن أن يصل الكاذب والمضلل إلى مبتغاه لبعض الوقت، مستفيدا من الديماغوجية الرخيصة والمزايدة الفئوية وإثارة الهواجس، ويمارس ساسة صغار التهريج والشتم جنبا إلى جنب مع ادعاء العفة والأخلاق والوطنية ونظافة اليد…

في الظروف الطبيعية يكون «حبل الكذب قصير»، وبناء عليه، فإن «مهازل» بشرية من هذا النوع لا تعيش طويلا في ظروف طبيعية تعيشها دول تحكمها حكومات تقوم على المساءلة والخيارات الحرة وتتمتع بالسيادة الحقيقية. ولكن، حيث تتبخر السيادة وتنعدم الخيارات الحرة وتتعذر المساءلة، تستمر هذه «المهازل»… بل تزداد صلفا ووقاحة، فتتصرف وكأنها الأصل وكل ما عداها الاستثناء.

في لبنان هذا، بالضبط، ما يحدث اليوم…

ثمة «مهزلة» بشرية تحرض وتستفز الغرائز وتخون الآخرين وتشتمهم بلا خجل… مستفيدة من أن عربدتها الطائفية العفنة تتمتع – استنسابيا – بدعم حزب الله اللبناني، القوة الوحيدة المسلحة بسلاح غير شرعي في البلاد. بل إن «الحزب» المهيمن راهنا على قرار الحرب والسلم، والساعي إلى التمدد الديموغرافي في كل مكان من لبنان، حريص على استخدام هذه «المهزلة» واستغلالها في «حرب إلغاء» فئوية يخوضها في إطار استراتيجية إقليمية خطيرة.. لأنه لا يريد أن يظهر في صورة الجهة المسؤولة عن مواجهة شيعية – سنية في البلاد، وتداعياتها في المنطقة العربية بأسرها.

حزب الله نجح لفترة لا بأس بها، في تجاوز خطوط الصدوع الزلزالية المذهبية في المنطقة، بالتوازي مع نجاح إيران – مرحليا – في كسب ثقة حركة حماس الفلسطينية وجماعة الإخوان المسلمين في مصر. وكان هذا «النجاح» عنصرا ضروريا للتغطية على طبيعة التمدد الإيراني داخل الوطن العربي أمام خلفية «غض نظر» إسرائيلي ما عاد ممكنا التمويه عليه.

بالأمس، بينما واصل النظام السوري دفع سوريا دفعا نحو الحرب الأهلية، المطلوبة إسرائيليا، تقاطع في بيروت وصول وفدين أميركي وإيراني. وكانت المناسبة بالغة الدلالة، كما جاء التزامن مثيرا للجدل والقلق في آن معا.

جيفري فيلتمان، مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى والسفير الأميركي السابق لدى لبنان، جال على الفعاليات السياسية اللبنانية، ومعه السيناتور جوزيف ليبرمان، أحد أعظم الساسة الأميركيين تأثيرا في مجال العلاقات الخارجية، وشؤون الشرقين الأدنى والأوسط تحديدا. وكالعادة، لم يُضِف لا كلام ليبرمان ولا كلام فيلتمان، جديدا من الناحية العملية.. سواء بالنسبة للوضع اللبناني الداخلي أو الحالة الإقليمية، وبالأخص ما يحدث في سوريا. كل ما في الأمر، أنه جرى تأكيد ما سبق قوله أميركيا – عشرات المرات منذ 2005 – بلا فعل جدي ملموس حتى اللحظة، وكان الجانب الوحيد اللافت زيارة ليبرمان حدود لبنان الشمالية مع سوريا.. لـ«الاطلاع» عن كثب على أوضاع المهجرين السوريين.

في المقابل، وصل محمد رضا رحيمي، النائب الأول لرئيس الجمهورية الإيراني، على رأس مرافق ضخم، حاملا رزمة من المشاريع الإيرانية المقدمة للبنان على مختلف الأصعدة: من الطاقة إلى التعليم… وعلى وقع كلام حزب الله عن ضرورة بقاء الحكومة إلى حين إجراء الانتخابات العامة بموجب قانون انتخابي يلائمه، ينتج برلمانا – أيضا – يلائمه، لكي ينتخب لاحقا رئيس جمهورية يلائمه… وهكذا تسقط الدولة ومؤسساتها كلها في أحضانه.

لبنان حلقة صغيرة في سلسلة المنطقة، غير أن المثل الغربي يقول «قوة السلسلة تعتمد على قوة أضعف حلقاتها». وهذا يعني أنه في ظل عملية رسم الحسابات الإقليمية، وربما إعادة رسم الخرائط، لا يعود هناك فارق يذكر بين حلقة كبيرة وأخرى صغيرة. وموقع لبنان، على صغره، غاية في الأهمية، سواء على الصعيد الجغرافي كدولة متاخمة لكل من سوريا وإسرائيل، أو المذهبي ككيان تتعادل فيه كفتا المسلمين الشيعة والسنة في ظروف احتقان مذهبية غاية في الحساسية.

من هذا المنطلق ثمة اتجاهان عند الساسة اللبنانيين اليوم:

الأول: الاتجاه العاقل الذي يقدر حجم المخاطر التي تحيق بالكيان اللبناني وتركيبته السكانية الملونة، فيحاول ما أمكن «تبريد» الأمور، ولجم الانزلاق نحو الانفلات الأمني، وضبط الخطاب الطائفي التحريضي، والامتناع عن السير في نهج الإقصاء والإلغاء والاجتثاث.

والثاني هو الاتجاه المغامر، وبضمنه اتجاه «عميل» في ولاءاته الخارجية المطلقة، الذي لا يقيم وزنا للاستقرار الداخلي، بل ينفذ ما يؤمر به مهما كان الثمن.

في الاتجاه الثاني، يأتي الافتتاح المبكر لحملة الانتخابات البرلمانية، المفترض أن لا تنطلق قبل العام المقبل، باستغلال تأييد رئيس الجمهورية ميشال سليمان اعتماد قانون النسبية الانتخابي.

المؤسف أن سليمان – عن حسن نية على الأرجح – لم يتنبه بعد إلى استحالة إجراء انتخابات عادلة وفق قانون النسبية في ظل استمرار احتفاظ حزب الله – المنافس في الانتخابات – بسلاحه دون سائر القوى الأخرى. وهذا مع العلم بأن إجراء انتخابات في ظل سطوة السلاح مسألة أساسية عند «الحزب»، لأنه يضمن احتفاظ الطائفة الشيعية بوحدة «الأمر الواقع»، ومعها بكتلة أصوات الاتجاه الطائفي الواحد على امتداد الأراضي اللبنانية، وفي الوقت عينه… انتزاع نسبة أصوات من الطوائف الأخرى عبر الترغيب والترهيب.

وهكذا فإن الأدوات، المسلمة والمسيحية، العاملة في خدمة مشروع حزب الله تسير الآن في ركاب طرح «النسبية في ظل السلاح»؛ لأن انتخابات مزورة سلفا من هذا النوع ستعطيهم داخل مؤسسات السلطة في لبنان حضورا مضخما لا يستحقونه داخل طوائفهم. واستطرادا، تعطيهم داخل طوائفهم دور «حصان طروادة» لـ«الحزب» الذي، من جانبه، ينفذ مشروعا أكبر على مستوى المنطقة ككل.

المفارقة هنا، أن أبرز هذه الأدوات، و«المهزلة» المتعاونة على هدم الاستقرار، يطالب برأس الرئيس سليمان، مؤيد «النسبية»، بأمل احتكار التمثيل المسيحي، بعدما بلغ حد رعاية حزب الله له السكوت على إدانة أحد رجاله بالعمالة لإسرائيل.

الصورة الإقليمية الكبرى ما عادت بحاجة إلى تخمينات بعد عرض العضلات الإيراني في الخليج، وانكشاف دوري حزب الله ورئيس الحكومة العراقية في دعم القمع الدموي في سوريا، وتجميد واشنطن – وسط تصريحات إسرائيلية مريبة – أي خطوة جدية لإنهاء معاناة الشعب السوري.

وفي المقابل، تشكل الكيانات الصغيرة الهشة كلبنان «ساحات مناورات» أمنية و«صناديق بريد» سياسية. وفيها يتحرك «الصغار» بأوامر «الكبار» بأمل الحصول على فُتات مائدة هنا وجائزة ترضية هناك.

وهنا تعلو أصوات «المهازل» البشرية الطارئة على عالم السياسة.