سوريا بعد «نيكولا الصغير» و«فلاديمير الأكبر»… – جان عزيز – الأخبار


يحرص المسؤولون السوريون على احتساب المؤشرات الإيجابية المسجلة هذه الأيام. لكن من دون أوهام. مجرد رسم اتجاه يقولون، دونه مخاطر كبيرة لا تزال قائمة، ومواجهة شرسة قد تكون آتية أو حتى وشيكة، مع المرحلة الثالثة من الصراع، وعنوانها واحد: «القاعدة».





لا يتردد أي مسؤول سوري في رصد مصادفات الأسبوع: باريس تطرد آخر صيغة لكاريكاتور ميني نابوليون، فيما موسكو تفتح قصرها لقيصرها الأكبر الجديد القديم. قد لا تعني المصادفة شيئاً فعلياً، لكن حتى في الأزمات الكبرى، أو خصوصاً فيها، يظل حيز ضيق لحسابات الثأر الشخصي: سقط عدو وانتصر حليف، فيما كل التطورات الأخرى تتكيف مع إيقاع النمط الجديد. يسألونك في سوريا عن تصريح مسؤول القيادة المركزية الأميركية الوسطى عن بشار الأسد وتوقعه بقاءه، ويسألونك عن صحة أردوغان، وعن نسبة مشاهدي قناة «الجزيرة» هذه الأيام، وعن أخبار اجتماع بغداد في 23 الجاري بين الإيرانيين والأميركيين… يسألونك كأنهم يوحون بأجوبتهم، بصيغة من يحذر ولا يتبنى ولا ينسج رهانات.


لأن حسابات السوريين هذه الأيام أكثر ارتباطاً بالأرض: معارك آخر جيوب حمص وإدلب، وأخبار التفجيرات الإرهابية الصغيرة، وعمل مراقبي مهمة كوفي أنان. هنا يتركز بحثهم وتقديرهم والتوقعات:


بعد أيام قليلة سترتسم لدى المبعوث الأممي صورة مفادها أن الشق الأول من مهمته قد شارف على الإنجاز. وهو الشق المتعلق بوقف العنف. طبعاً لن يعني ذلك عدم إطلاق رصاصة واحدة في كل أنحاء سوريا، بل تدني أعمال العنف بكل أشكاله إلى مستوى يسمح بالانتقال إلى المرحلة الثانية من المهمة: الحوار بين أطراف الصراع. هنا يتوقع أن تظهر العرقلة، ولأسباب عدة. أولاً، انقسام أطياف المعارضة السورية، حتى اتجاه بعضها نحو صراعات بينية لا تقل حدة عن الصراع مع السلطة. ثانياً إصرار البعض على رفض الحوار إلا تحت عنوان إسقاط النظام وتنظيم انتقال السلطة، بما يتناقض مع أساس مهمة أنان. ثالثاً، بروز شيء من ظواهر «أمراء الحرب» في بعض المناطق والأزقة، نتيجة توافر المال بكثافة، وعمليات السرقة والنهب وفوضى غياب الدولة.

مع ما يرافق تلك الظواهر من رفض وتضرر أكيدين من أي عملية تسوية سياسية تعيد الدولة بأي شكل كان.


يبقى الأهم، كما يقول أحد المسؤولين السوريين، أن جوهر بروتوكول التفاهم الموقع بين الحكومة السورية والأمم المتحدة سيضع هؤلاء في الزاوية. يُخرج نص الوثيقة من محفظته ويقرأ بعض مضمونها: يفترض بالحوار المزمع إطلاقه أن يؤدي إلى تسليم المجموعات المسلحة بعدم القيام بأي أعمال عنف ضد أي هدف عسكري أو مدني، قتلاً أو خطفاً أو تهديداً. كذلك يفرض عليهم عدم تنفيذ أي اعتداءات على أي أملاك خاصة أو عامة. فضلاً عن سحب «السلاح الظاهر منه كما السري». إضافة إلى تسليم كل المواقع التي صودرت أو احتلت أو «سرقت»، كما ينص البروتوكول حرفياً. والأهم أن كل ذلك يكون خاضعاً لأحكام القوانين السورية، كما يوضح النص بلا لبس… يطوي المسؤول السوري أوراقه ويسأل: من منهم سيقبل بالتزام هذه البنود والإقبال على تنفيذها؟ لذلك علينا أن نتوقع رفضهم الوصول إلى هذه المرحلة، والقيام بكل شيء للحؤول دون بلوغ هذا الحد من الاتفاق الأممي.


الصورة نفسها يرسمها مسؤول آخر في دمشق. يكشف أن الرئيس السوري بشار الأسد أعطى تعليماته منذ أسابيع لإطلاق حوار جدي مع كل المعارضين المستعدين لذلك. «اتصلنا بهم جميعاً، عقدنا لقاءات عدة. من دون نتيجة ملموسة؛ لأن من يقبل الحوار لا يملك المبادرة، أو بات أسير مزايدات أصحاب العنف. والذي يملك وسائل العنف لا يريد الحوار». ويكشف المسؤول نفسه أن دمشق وضعت موسكو في أجواء استعدادها للحوار المذكور، لا بل إنها بدأته. لكن الروس أنفسهم نصحوا بالتريث وانتظار آلية أنان؛ حتى لا يُتهم السوريون بأنهم يتخطون الروزنامة الزمنية التي وضعها المبعوث الأممي.


وسط هذه الصورة، يشير مسؤول ثالث أقرب إلى وضع «الأرض» والتعامل مع مناخاتها وإفرازاتها، إلى أن كل المؤشرات السابقة تشي بأننا ذاهبون إلى فترة عنف جديدة. إنها المرحلة الثالثة من الصراع: أولاً فشلت مرحلة التظاهرات الشعبية ولم تتحول موجة أكثرية. ثانياً فشلت مرحلة المواجهات العسكرية. الآن إنها مرحلة التفجيرات الإرهابية. إنها مرحلة «خلايا القاعدة النائمة» والمستوردة. ولشمال لبنان حصة كبيرة فيها. تكفي باخرة طرابلس إشارة وإنذاراً: الحمولة مقدرة بـ 80 مليون دولار. والأهم من الصواريخ المصادرة على متنها، المتفجرات المتطورة التي كانت تحملها، وأجهزة الاتصال التي لم يشاهد الأمنيون اللبنانيون مثلها من قبل. إنها المرحلة الثالثة من المواجهة… هل تكون الأخيرة؟ لا أجوبة في سوريا هذه الأيام، بل أسئلة أكثر بلاغة ودلالة.