أمر الأسد أو مؤامرة «غليون لاند»؟؟ – جان عزيز – الأخبار


من السهل جداً تقاذف الاتهامات بشأن ما يحصل في عكار والشمال. سهولة اتهام لا يماثلها إلا خطورة المضمون.





سهل جداً على الفريق الإسلاموي أن يضع ما يحصل في إطار «مؤامرة» من تخطيط «النظام السوري» وتنفيذه. أما الأهداف ـــ يقولون ـــ فضرب أكثر من عصفور لبناني بحجر سوري واحد: من جهة تصوير المناوئين للنظام، أكانوا داخل سوريا أم خارجها، على أنهم جماعات إرهابية. من جهة ثانية، نقل المعركة من الداخل السوري إلى خارجه، وبالتالي تخفيف الضغط عن بعض النقاط الهشة جنوب حمص. ثالثاً، إلهاء خطوط دعم «الثوار السوريين» بمعارك جانبية، واستنزاف القوى و«المقدرات الجهادية» التي كانت مخصصة لمؤازرة الداخل السوري في مواجهات محلية. رابعاً، استدراج قوى ثالثة ظلت غير معبأة كلياً في الدفاع عن النظام، إلى معركته المصيرية. وذلك عبر افتعال فتنة سنية _ شيعية مباشرة في لبنان، تفرض على الجميع الدخول في المواجهة بشكل كامل ومباشر وعلني. وأخيراً إفهام المجتمعين الغربي والدولي بأن الفوضى السورية قادرة على أن تتحول إلى فوضى إقليمية شاملة، وبالتالي توجيه رسائل تحذيرية إلى المعنيين بأن من يحرك النار السورية ضد النظام، لا بد أن تحرق أصابعه وأن تمتد إلى أكثر من قفازاته …


وسهل جداً على الإسلامويين، وحتى على الفريق اللبناني المعارض، الاستدلال على قراءته تلك بأكثر من حجة. من مقابلة رامي مخلوف مع نيويورك تايمز إلى رسالة بشار الجعفري للأمم المتحدة، وصولاً إلى كلام الرئيس السوري بشار الأسد نفسه عبر محطة تلفزيونية روسية قبل أيام. أما في القرائن، فتسيل جعبة هؤلاء بالوقائع، وخلاصتها هذه المعادلة _ القرار: ما من قوة تستطيع إقناعنا بأن وجود هذا الموظف غير المدني بالذات، في مكان مقتل الشيخين، مجرد مصادفة. فهو من مذهب آخر، ومن عائلة نعرفها (يقولون إنها عائلة ع. أ.) ومن «انتماء» نعرفه، وهو يعرف الشيخ القتيل. لا بل أكثر من ذلك، ثمة من يهمس في تلك الأوساط بأن هناك شائعات كانت تربط بين القتيل ومؤيديه، وبين أحداث أليمة وقعت ضد الجيش، في منطقة قريبة، صباح 21 أيار 2007 … هكذا اكتملت المؤامرة في ذهن الإسلامويين وبعض الفريق المعارض.


في المقابل، يبدو الاتهام المعاكس مكتملاً أيضاً، بالقراءة السياسية، وأكثر بالوقائع. يقول إن ثمة جهة في لبنان، وهي جهة سياسية بحتة، تتلطى حيناً بمذهب وحيناً آخر بطائفة، وأحياناً بدين أو حتى بأمة، لم تتعلم الدرس الدامي الذي دفعه ودفَّعته لكل اللبنانيين، نتيجة تجربتها المطابقة قبل نحو نصف قرن. فها هي تحاول تكرار المأساة: في الستينيات، كانت هذه الجهة طامعة إلى سلطة أكبر في الوطن. فقررت إسقاط الدولة لتحقيق مطمعها. ولتسقط الدولة قررت أولاً ضرب الجيش اللبناني، عماد الدولة وحصانتها وحصنها. فاخترعت نظرية «دعم المقاومة الفلسطينية». ووقفت مع ما سمته مشروع «الكفاح الفلسطيني المسلح»، ضد الجيش الوطني. وظلت تجهد وتدأب لإقامة منطقة لبنانية خارجة عن سيطرة الدولة، وخاضعة لدويلة من أعلنتهم «جيشها» الخاص. لينطلق هؤلاء بعدها نحو كل الوطن، فيسقطوا دولته ويقدموا لأصحاب المشروع سلطتهم الموهومة. هكذا كانت «فتح لاند»، وهكذا انفجر لبنان بين مقتل معروف سعد وبوسطة عين الرمانة. ليمضي بعدها عقدان من الزمن، قبل أن تكتشف تلك الجماعة أنها أخطأت وخسرت سلطتها ومشروعها وأطماعها وخسرت الوطن وخسره جميع أبنائه …


بعد نحو نصف قرن، يكررون التجربة نفسها. بكل تفاصيلها والدقائق: يريدون سلطة تغيير السلطة. فقرروا لذلك إسقاط الدولة. وبداية ذلك ضرب الجيش، العقبة الوحيدة دون انهيار الوطن. وتنفيذاً لذلك، اخترعوا اليوم مقولة «دعم الثورة السورية» بدل الثورة الفلسطينية، ومؤازرة «الكفاح السوري المسلح» بدل كفاح أبو عمار وسائر أبَواته. وبعدما تصالحوا مع إسرائيل، قرروا نقل دويلتهم من فتح لاند العرقوب إلى «غليون لاند» في عكار والشمال، وفتحوا النار على الجيش، وأطلقوا شرارة الكارثة …


وفي الوقائع، تستكمل تلك القراءة بالأدلة المقابلة، والمتروكة للقضاء والتحقيق. لكن أبسطها سؤال خالد الضاهر: لماذا نقلت ذكرى مهرجانك من 11 أيار إلى 20 منه، بعدما علمت أن القوميين أجَّلوا احتفالهم إلى هذا اليوم بالذات، وفي المكان نفسه؟؟


يسهل تبادل الاتهامات. لكن عندما تندلع النيران، رد الفعل الأول هو إخمادها، بعده يبحث عن أسباب الاشتعال. وفي هذا السياق، يبدو موقف الثنائية السنية الأساسية، أي «المستقبل» _ الجماعة، قابلاً للبناء عليه، لاحتواء الشارع واستيعاب الجنون المحتمل. فهل من يبادر الى تواصل معها، من قبل مثلث الأكثرية الحكومية، قبل أن تصير الغرائز سيدة المواقف، وقبل أن تأتي «البوسطة»، إذا ما كانت ضحية عكار، بمثابة الشهيد معروف سعد؟؟