سوريا: «استدراج عروض» في الساعات الأخيرة – إياد أبو شقرا – الشرق الاوسط


قد يبعث الأمر الكبير صغيره




حتى تظل له الدماء تصبب

(طرفة بن العبد)

رسالة بشار الجعفري إلى الأمم المتحدة خلال الأسبوع الماضي لا يجوز أن تُقرأ خارج سياق ابتزازي معين.

فقبلها قال رفعت علي عيد، المسؤول السياسي في الحزب العربي الديمقراطي، وهو الميليشيا الطائفية التي تسيطر على منطقة بعل محسن في مدينة طرابلس، عاصمة شمال لبنان، إن الوضع في طرابلس ينزلق نحو «المجهول». وبناء عليه طالب بتدخل عسكري سوري للإمساك بالمدينة. وكان الشيء الوحيد المغلوط في كلام عيد هو كلمة «المجهول». فعيد، الذي كان يتكلم ضد «طائفية» خصومه وخلفه صورة سيف الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وقد كتب عليها «لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار»، بجانب صور السيد حسن نصر الله وأركان العائلة الحاكمة في سوريا التي سُمي هو شخصيا تيمنا بأحد أفرادها، يعرف تماما «المجهول»، ويقدر أن حتى خصومه يعرفونه.. ألا وهو «الفتنة» التي يسعى، بناء لأوامر صادرة إليه، لتحريكها.

وهنا يتقاطع كلام السيد عيد مع رسالة «رفيقه» السفير الجعفري، التي تبرر مسبقا عملية «تصدير» للفتنة إلى لبنان، عبر سوقها ادعاءات تستند أصلا إلى «تقارير» كانت أجهزة الاستخبارات السورية، ذاتها، قد عممتها على «أدواتها» في لبنان – وبعضها يتبوأ مناصب حكومية وأمنية اسمية، لكنها في واقع الحال مجرد «أدوات» – وذلك لكي تستشهد بها لاحقا. وفي هذا الإطار، من المفيد أن نتذكر أن وزيرين اثنين على الأقل في الحكومة اللبنانية الحالية قدّما حتى الآن «شهادات» مطلوبة جعفريا عن وجود عناصر من «القاعدة» في لبنان، وهذا على الرغم من نفي أعلى مسؤولي الدولة.. بمن فيهم وزير الداخلية اللبناني، المفترض أنه المطلع مباشرة على الملف الأمني في البلاد.

أكثر من هذا، رسالة الجعفري لا تنفصل عن استراتيجية الهروب إلى الأمام وابتزاز المجتمع الدولي و«استدراج العروض» و«الوكالات» التي طالما أتقنها النظام السوري، لكنه الآن يمارسها دفاعا عن وجوده لأول مرة منذ نحو 43 سنة. والغاية واضحة وضوح الشمس، وهي تذكرنا – إن تنفع الذكرى – بإثارة معمر القذافي في أيامه الأخيرة موضوع خطر «القاعدة» على إسرائيل إن هو سقط.

والواقع أنه من حق النظام الذي ينطق باسمه السفير الجعفري في المحافل الدولية أن يتوقع من الجهات التي يوجِّه إليها رسائله… الكثير والكثير. فهذا النظام وقف منذ خريف 1973 «حارسا أمينا» على السياج الحدودي للجولان المحتل. وفي منتصف السبعينات من القرن الماضي صفّى المقاومة الفلسطينية في لبنان وشردها بين تونس وبلاد الله الواسعة، بعدما كان قد مهد الطريق لبلوغه السلطة في دمشق بتواطئه عليها في معارك سبتمبر (أيلول) 1970 في الأردن.

ثم إنه نجح داخل سوريا، حيث يوجد أحد أرقى المجتمعات العربية، في بذر بذور الانقسام الطائفي والمحسوبية والفساد وتراجع مستوى التعليم والثقافة، وحوّل الجيش المفترض به أن يقاتل دفاعا عن شعبه ضد العدو الخارجي… إلى ميليشيا فئوية – مصلحية تقمع الشعب بناء على أوامر القوى الخارجية. وفي الشق الطائفي، بالذات، لم يفعل النظام، الذي يحاضر «إعلامه» عن العلمانية والترفع… صباح مساء، غير زرع آفة الطائفية والعنف الطائفي المجنون حيثما امتدت أصابعه وقضت مصالحه ومصالح مَن يأتمر بأوامرهم، وها هما العراق ولبنان، «الطائفيان» بامتياز، خير شاهدين على مشاعر الأخوة الفياضة.

في المقابل، لا بد من الإقرار بأن إسرائيل أولا، والقوى الداعمة لها ثانيا، لم تخيّبا ظن الرئيس بشار الأسد ولا سفيره وسميه الجعفري. فبالكاد سمعنا، وفقط البارحة، نبرة عتب حقيقي على ما يُرتكب من مجازر على امتداد الأراضي السورية منذ نحو 14 شهرا.

لا إسرائيل ولا واشنطن – على الرغم من كامب ديفيد – استطاعتا الصبر على حسني مبارك 14 يوما، لكنهما صبرتا لأكثر من 14 شهرا على النظام الذي تعتبرانه «معاديا» «ومارقا»، والذي ارتكب بحضور المراقبين الدوليين – مثل غيابهم – «موقعة جمل» كل يوم في كل جزء من سوريا تقريبا.

هل هناك تواطؤ؟ هل هناك ضوء أخضر؟ ربما، فالنظام الذي يجيد تلفيق أي شيء، بما فيها الأشرطة التلفزيونية، يشعر أنه ما زال قادرا على ترويج «بضاعة» ضرب الإرهاب الأصولي وتقديم الخدمات للجهات التي يصفها بـ«الإمبريالية»، ويتوقع من إسرائيل والغرب تصديقه.

هذا جانب من المسألة، أما الجانب الآخر فأكثر خطورة…

فالمرجح أن راصدي الوضع السوري في العواصم الغربية، وتل أبيب منها طبعا، يعرفون جيدا أين أصبح مصدر القرار الذي يحكم السياسة السورية منذ نهاية عهد حافظ الأسد. وهم استوعبوا تماما أن قرار سحب الجيش السوري من لبنان بعد جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه يوم 14 فبراير (شباط) 2005 لم يغير شيئا على الأرض لأن «البديل» كان جاهزا.

«البديل» هو «حزب الله»، الذي اضطر للكشف عن هويته الحقيقية بعد الانسحاب السوري العسكري. ومن ثَم اضطر للانتقال من حالة «المقاومة» حيث لا مبرر لوجود أعداء محليين – وبالتالي، لا غرامة سياسية مُكلِفة – إلى حالة «الهيمنة» المكشوفة التي ما عاد بمقدور غير «الأدوات» والعملاء الصغار من خارج صفوف «الحزب» التعايش معها وتبريرها…

واليوم ما يحدث في سوريا ولبنان متصل مباشرة بمشروع إقليمي أشمل، له ملامحه في البحرين واليمن، وطبعا في العراق. وركض القيادة الإيرانية حاملة مشعلي «تحرير فلسطين» و«وحدة المسلمين» ها هو يتعثر عند أول حاجز؛ إذ كان موقف طهران لافتا إزاء مسعى التكامل الخليجي انطلاقا من المملكة العربية السعودية والبحرين، ومن رسالة الاحتجاج والتهديد لشركة «غوغل» حول تسمية الخليج «الفارسي».

نحن هنا أمام معضلة إزاء فهم أين يبدأ «إسلام» طهران وأين تنتهي «فارسيتها»، فالإسلام نهى أول ما نهى عن العصبية القبلية، وأعلنها مدوية أن «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»، واعتبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سلمان الفارسي (رضي الله عنه) من «أهل البيت». وهذه «الإشكالية» مطروحة الآن، أكثر من أي وقت مضى، أمام «لبنانية» السيد حسن نصر الله… الذي أعلن قبل فترة غير بعيدة اعتزازه بكونه جنديا في «جيش الولي الفقيه»، و«عروبة» النظام السوري القائم على شرعية «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»!

لقد جعل نظام دمشق، في جيلي الأسدين الأب والابن، سوريا «نفق» تواصل وصندوق بريد مموها بين طهران وتل أبيب. والسؤال الآن، بعدما تجاوز النظام نقطة اللاعودة في «خياره الشمشوني»… وبعدما غدت متعذرة إعادة المارد الشعبي إلى القمقم، هل اقتنع المجتمع الدولي جديا بأن التغيير سيكون المخرج الأمثل – والأقل تكلفة – للمنطقة.. بل الأمثل والأقل تكلفة حتى لإسرائيل على الرغم من رهانها الدائم على تعميم خيار «الحرب الأهلية» إقليميا؟

إن تفجيرات سوريا، وما تخطط له أجهزتها الأمنية في لبنان، رسائل ابتزاز إلى المجتمع الدولي… فهل تنطلي الكذبة مجددا على عواصم العالم الكبرى كما انطلت لبضع ساعات على بان كي مون؟