حزب الله وإسرائيل ومعركة «كسر العظم» المحتملة – علي الحسيني – الجمهورية

القارئ بين سطور أحداث المنطقة، يستطيع أن يلاحظ أنّ ثمّة عناوين عدّة بدأت إسرائيل تطرحها على طاولات البحث لتبرير أيّ حرب جديدة ضد لبنان، وفي طليعتها «ازدياد تسلّح» حزب الله إيرانيّاً وسورياً، الذي ترى فيه خطراً داهماً عليها، في الوقت الذي يتحدث البعض عن ضربة استباقية إسرائيلية لإيران لتقويض برنامجها النووي.

يبدو أن طرفَي النزاع التقليدي، حزب الله وإسرائيل، يستعدّان دراماتيكيّاً لحرب قد تكون فاصلة إلى حدّ ما إذا ما قيست بسابقاتها بينهما، إن لجهة التجهيز في العديد والعتاد، أو لجهة تحضير العنصر البشري نفسيّاً عبر رفع معنويات العسكر بوضعهم في صورة الانتصار المؤكّد مُسبقاً.




كلّ المؤشرات تدلّ على أنّ إسرائيل أكملت جهوزيّتها لأيّ مواجهة محتملة مع الحزب في المرحلة المقبلة، لكن ضمن إستراتيجية جديدة عمادها "سياسة الأرض المحروقة"، إذ إنّها "لن تترك هذه المرة متراً واحداً في الخطوط الأمامية إلاّ وستحرقه من أجل إيجاد مساحات واسعة تتيح لآلياتها العسكرية والطبّية، إضافة إلى جنودها، التحرّك بحرية مطلقة من دون تعرّضها لأيّ إصابات محتملة".

ويقول محلّل استراتيجي غربي لـ"الجمهورية" إنّ "ضربات إسرائيل الاستباقية قد تستهدف أماكن تخزين أسلحة بالغة الأهمية تابعة لـ"حزب الله" كانت رصدتها خلال الفترة الأخيرة، وإنّ مبادرتها إلى الحرب هي احتمال وارد في أيّ لحظة، لأنّها تعتبر أنّ الحزب تخطّى حدود المقبول، عسكريّاً وسياسيّاً وإعلاميّاً، ولذلك فهي ترى أنّه لم يعُد من الجائز تركه "يسرح ويمرح" في المنطقة على هواه في ظلّ الانشغال الدولي بالأزمة السورية".

ويضيف: "من المحتمل أن تبدأ إسرائيل مهاجمة القوافل التي تنقل السلاح أو الصواريخ للحزب من سوريا، وقد يتطوّر الأمر إلى حدّ استهداف مستودعات الأسلحة في الداخل السوري التي تدّعي أنّ "حزب الله" يستخدمها".

ويلفت هذا المحلّل إلى أنّ "إسرائيل قد تبدأ الحرب بلا سابق إنذار، أو استدراج "حزب الله" إلى قتال لتدمير قدراته بضربات أولية نوعية ضد قوّاته أو قياداته لمنع إيران من فتح جبهة ضدّها في حال اضطرّت إلى مهاجمة منشآتها النووية"، كاشفاً أنّ "التدريبات التي تجريها القوّات الخاصّة الإسرائيلية في منشأة جديدة تحت الأرض، تحاكي في المرتبة الأولى احتلال ما عُرف بمثلّث الصمود في جنوب لبنان: عيترون، مارون الراس، عيتا الشعب في أقلّ من 24 ساعة، وذلك من خلال تكثيف الغارات الجوّية وعمليات الكومندوس غير المسبوقة، لتكون المرحلة التالية إفراغ معظم مناطق الشريط الحدودي من سكانه عبر سياسة الأرض المحروقة التي من ضمنها تدمير منازل يشتبه بانتماء أصحابها إلى حزب الله".

ويجزم الخبير الغربي بأنّ "ما يستحوذ التحليل لدى القيادة العسكرية الإسرائيليّة هذه الأيام، هو دعوة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله رجال المقاومة للاستعداد للحظة الطلب منهم احتلال الجليل، لأنّ الإسرائيلي يُدرك تماماً أنّ كلام نصرالله لا يمكن إلا أن يؤخذ على محمل الجدّ".

وينهي الخبير الاستراتيجي كلامه بالحديث عن التسلّح الإسرائيلي فيكشف الآتي: "إنّ إسرائيل تعتمد في حروبها الكبيرة على 3 ألوية، لواء "غولاني" ومهمّته ضمان السيطرة على المناطق التي تسقط في أيدي القوات الإسرائيلية، واسمه مشتقّ من كلمة "الجليل"، ويتضمّن الكتيبة المؤلّلة "إيغوز" ( ثمرة "الجوز") وسمّيت بذلك نظراً لصعوبة كسرها، ومهمّتها احتلال المدن إذا عجزت بقيّة الفرق عنه، ويتوزع انتشار لواء غولاني على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية وفي الضفة الغربية، مع العلم أنّ الوحدة "ج" من الفرقة 51 التابعة لـ"غولاني" كانت أبيدت بكاملها تقريباً خلال معركة بنت جبيل في تموز 2006 على يد رجال حزب الله".

ويضيف: "كذلك هناك لواء "جفعاتي" الذي يعتبره الإسرائيليّون اللواء الأكثر تهذيباً واحتراماً، مع العلم أنّه أباد ما يربو على 70 في المئة من المدنيين الأبرياء في غزّة والضفة الغربية، ومن مهمّاته تنظيف المناطق من العدو، وتحديد القطع اللازمة لأيّ حرب تنوي إسرائيل القيام بها".

ويقول الخبير نفسه: "لكنّ المهمّة الأصعب تُسند عادة إلى لواء "ناحال"، ومهمّته تنفيذ عمليّات قتل وأسر واختطاف سريعة وراء خطوط العدو، والفرقة 931 من هذا اللواء هي الأخطر على الإطلاق، ومهمّتها تنظيف المناطق المُتاخمة للحدود مع إسرائيل تمهيداً لاحتلالها، ويتضمّن أهمّ كتيبة مظلّيين في إسرائيل".

استعدادات حزب الله

لكن في المقابل، كيف يستعدّ حزب الله لمعركة كهذه؟ وهل سيتّكل على السلاح عينه الذي استعمله في حرب تموز 2006؟ أم سيستخدم أسلحة أكثر تطوّراً يمكن أن يكون قد حصل عليها أخيراً؟

يجيب الباحث الغربي: "لا شك في أنّ الحزب بات يمتلك مجموعة متنوّعة من الأسلحة المتطورة، ولكن ليس إلى حدود تمكّنه من الصمود لفترة طويلة من دون حصوله على مزيد من الأسلحة، والحزب كما هو معروف يتّخذ من الجبال والوديان أماكن لتخزين السلاح، ولهذا قد يجد في بعض الأحيان صعوبة كبيرة في الوصول إليها في حال أُصيب حرّاسها، ومن هنا، فإنّه لا يزال يعتمد بمقدار كبير على نوعية الصواريخ التي كان يطلقها على إسرائيل أثناء الحرب الأخيرة، أضف إلى ذلك ما يحكى عن سلاح كيماوي في حوزته يمكن تركيبه داخل صواعق متفجرة لصواريخ بعيدة المدى تطاول العمق الإسرائيلي بسهولة، إضافة إلى المنشآت النووية في ديمونا وحيفا".

ويضيف: "إنّ حزب الله قنّاص فرص، وهذا أمر تعترف به قيادة الحزب نفسها، ويُعتقد أنّه حصل على سلاح متطوّر جداً من ليبيا عقب سقوط نظامها من خلال طرق عدّة. ومن هنا، يجب أن نلاحظ أنّ النيّة الأميركية الإسرائيلية في إسقاط النظام في سوريا غير موجودة حتى الساعة، لأنّ من المؤكّد أنّ سقوط الرئيس بشار الأسد يعني أنّ أسلحة نظامه المتطورة ستنتقل بالتأكيد إلى الحزب بموجب اتّفاق معقود بين الجانبين السوري والإيراني بتغطية روسية، وهذا ما تخشاه إسرائيل وتعمل له ألف حساب قبل الإقدام على خطوة كهذه". ويؤكّد "أنّ حزب الله بدأ إعادة ترتيب أوراقه وأوضاعه إزاء التعاطي مع المرحلة التاريخية الجديدة في المنطقة بكل مستوياتها وميادينها بعد أن فرض الحدث السوري عليه تحدّيات سياسية جديدة على الصعيدين اللبناني والعربي"، ويلفت إلى "أنّ حزب الله سيعتمد في أيّ حرب مقبلة مع إسرائيل، الطرق الآمنة بهدف تأمين التواصل بين قياداته في المناطق المتاخمة للحرب عبر طرق جديدة أحدثها في الفترة الأخيرة يصعب اكتشافها".

ويرى "أنّ مشكلة إسرائيل الأولى تكمن في مواجهتها لشعب بكامله وليس فرقة أو حزب أو مجموعة، إذ إنّ هناك طائفة أكثر من 90 في المئة منها تؤيّد العمل المقاوم ضد إسرائيل، وكلّ ما عدا ذلك هو كلام لا أساس له من الصحة"، ويكشف "أنّ الحزب قد يُفاجئ القيادة الإسرائيلية إلى حدّ بعيد باستعماله صواريخ مضادة للدروع للمرّة الأولى في تاريخ الحروب بين الجانبين. وعلى سبيل المثال، إنّ صاروخ "كورنيت" الذي استعمله الحزب في حرب تموز تمّ عرضه أخيراً في معلم مليتا السياحي، ما يعني أنّ كشفه عن هذا السلاح يدلّ على أنّه بات يمتلك أهمّ منه من الناحية التدميرية".

ويلفت الخبير إيّاه إلى "أنّ الحزب يعتبر أنّ حربه مع إسرائيل هي مسألة عقائدية ودينية لا يمكن التراجع عنها تحت أيّ سبب، كما أنّ لا معنى لسلاحه إذا لم يستعمل في حروب مع عدوّ كهذا، ومن هنا علينا أن ندرك جيداً أنّ إسرائيل لا يمكن أن تجرّد الحزب من سلاحه إلاّ من خلال إغلاق النافذتين الإيرانية والسورية، وهذا لا يمكن أن يحصل إلا عبر تسويات دولية.

وفي الجهة الأخرى، تعتبر إسرائيل أنّ مجرّد وجود منظمة كـ"حزب الله" في مواجهتها من شأنه أن يهدّد استقرارها الداخلي وسلامة مواطنيها في كل لحظة، وبالتالي لا يمكنها أن تأمن لعدو يتربّص بها تحت مجموعة ذرائع أو مسمّيات دينية أوعقائدية وما إلى ذلك من عناوين عريضة وشعارات يرفعها الحزب في حربه ضدّها".

ويشير إلى "أنّ قيادة حزب الله مطمئنة في هذه المرحلة لأنّها قادرة على التكيّف مع المتغيّرات التي فرضتها الأحداث السورية، لكن أكثر ما تخشاه هو إدخال النموذج العراقي التفجيري إلى الساحة اللبنانية على رغم قدرتها على إغلاق مناطق نفوذها في لبنان ككلّ بإحكام بنسبة 95 في المئة، لكن لهذا الأمر تكاليف باهظة جداً على المستويين الاقتصادي والمعنوي، إذ إنّ مناطق نفوذه ستخضع للمراقبة الحساسة والدقيقة على مدار الساعة، وهذا معناه إقامة معابر تعيد اللبنانيين بالذاكرة إلى زمن الحرب الأهليّة".

ويختم الخبير قائلاً: إنّ المعركة إذا وقعت فلن تكون كسابقاتها بين الطرفين، وقد يذهب ضحيتها أكثر من 3000 شخص نظراً إلى ضراوتها المتوقعة، إذ قد تأخذ منحى دينياً،
ومن هنا قد يجد معظم المنتمين والمتحمّسين للديانة الإسلامية بمختلف مذاهبهم أنفسهم معنيين بهذه المعركة مباشرة في مواجهة العقيدة اليهودية والصهيونية.

ومن هنا، نستطيع القول إنّ صوت كسر العظم سيكون الصوت الذي لن يعلو غيره في المعركة".